أ.د.عبد الله بن سليم الرشيد
ما كان ينبغي لي أن أدعَ التعريجَ على أستاذٍ كريمِ النفس، سخيِّ القلب، ليّنٍ هيّنٍ، وهو عبدالله بن حمد الخثران (ت 1443هـ / 2021م).
كان رحمه الله نقيًّا تقيًّا، يَشعرُ التلميذُ عنده بأنه بين يدي والدٍ مشفق، ولم أره إلا سمحَ الوجه، بعيدَ غَوْرِ العتابِ والمَوجدة، بَلْهَ أن يَغضَبَ أو يُغضِب، وقُصارى أمره إذا رأى ما لا يعجبُه أن يقولَ للتلميذ: (هداك الله يا بُنيّ) ونحو هذه الجملة الهادئة الرخيّة.
وكان من شمائلِه الحسان تواضعٌ عجَبٌ، وإسماحٌ وبشاشة. زرتُه بعد تخرجي بسنة في بيته، فحيّا ورحّب، وتهلّل وجهُه، وكأنه يرى أحدَ أبنائِه، ثم أهداني كتابه (مصطلحات النحو الكوفي)، وظلّ يحتفي بي - مثلما يحتفي بغيري - كلما لقيتُه في بعض رِداه الكلية (والرِّداهُ جمع رَدْهة)، ويُشعِرُني أنه محبٌّ لي ببسمتِه الصادقة، وحديثِه العذب.
ومن أساتيذنا في الكلية نعمان بن عبدالرزاق السامرائي العراقي (ت 1443هـ / 2021م)، وكان يدرّسُ الثقافة الإسلامية، ويعطي تلاميذَه كثيرًا من تجاربِه وما ثَقِفَ من قراءاته، ولا سيما المتصلُ منها بالاستشراق والمستشرقين، إذْ كان ذا عنايةٍ بهم، ومتابعةٍ لما يجدّ في هذا الحقل، وهو الذي عطف أنظارنا إلى بعض المشتغلين بالاستشراق، وإلى الصراعات والجدل الفكري، لمّا أحالنا إلى كتابه (الفكر العربي والفكر الاستشراقي بين محمد أركون وإدوارد سعيد).
ومن شمائله الظرفُ وحبّ (النكتة)، فكان يسخرُ كثيرًا من بعض ما يستوقفُه سخريّةً بعيدةَ الغور، وربما غمزَ بضعَ غمزات، ولحنَ ملاحنَ سياسية، أحسبُها أكبرَ من فُهومنا آنذاك.
وكان يعطفُ النظرَ فيه وفي أساتيذَ آخرين أنهم لا يعرفون أسماءَ الطلاب، على قلّتهم، وتلك غفلةٌ عجيبة، ولا سيما عند السامرائي الذي درّسنا مرتين، ولم يعلَقْ بلسانِه اسمٌ من أسمائنا!
والذي أيقنتُ به، من تجربتي في التدريس، أن معرفة الأستاذ لاسم الطالب ومناداتَه إياه به مدعاةٌ لصلةٍ روحية بينهما، ولَجْمٌ لدواعي الجفاء؛ وتودّدٌ وإيناسٌ، ولذلك كنتُ شديدَ الحرص على حفظِ أسماء الطلاب، مؤثرًا لمناداتهم بها كلما دعاني إلى ذلك داعٍ.
ومن طريفِ ما وقع لي - وإن كان إيرادُه هنا من بُنيّات الطريق، وحيّهلا بهنّ - أني لقيتُ طالبًا كنتُ درّستُه منذ حينٍ في معهد الملزّ العلمي، فعرفتُه وناديتُه باسمه، وسلّمت عليه، ففغر فاه وقال: هاه! من الأخ؟ (أكان غباءً ما أتى أم تغابيا؟) سأقول هنا قولةَ الشاعر: (دعْ ذا وعَدِّ القولَ).
ومن خِيرة أساتيذ الكلية عزُّ الدين الأمين السوداني -رحمه الله- (ت 1440هـ / 2018م)، صاحبُ كتاب (نظرية الفنِّ المتجدّد)، وساكُّ مصطلحِ (شعر التفعيلة)، ومن جميل صنع الله بي أن درستُ عنده في المرحلة الجامعية مقرر (النصوص)، وفي مرحلة التخصص (الماجستير) مقرر (الأدب المقارن).
كان من ألطفِ الخَلْقِ وأرقّهم، خافتَ الصوت، هادئَ القسمات، أريحيَّ الطبيعة، يبذلُ جهدَه في الإبانة، ويستوثقُ من الفهم، ويَسألُ إن لم يُسأَل، لا يتمعّرُ وجهُه من أخطاء الطلاب، بل يأخذُهم بالسكينة واللِّين، فينبّه إلى الخطأ، ويومئُ إلى الصواب، ويحرّضُ على الجدّ، ويحذِّرُ الكسلَ. وكان يوصينا كثيرًا -ولا سيما إبّان الدراسات العليا- بسَعَةِ النظر والقراءة الشاملة في الأدب العربي وغيره.
ومما حبّبه إليَّ كثرةُ مناداتِه إيّاي باسمي، وإظهارُه الثقةَ بي، وكنتُ قدّمت له ورقةَ عمل موجزة عن صِلَةِ (الكوميديا الإلهية) لدانتي برسالة الغفران، فنبّهني تنبيهاتٍ فرائد، وعرّفني ما لم أعرف، وأخذ بيدي إلى مصادرَ ومراجعَ تُدّخرُ عند إجراء المقارنة بين أدبين مختلفي اللغتين.
ولستُ بناسٍ تشجيعَه إياي حين قرأ قصيدة تفعيلة نشرتُها، ونحن في السنة المنهجية، فأثنى وأفاض يعلّق على مفهوم (التفعيلة) وما اعتوره من مصطلحات، وما أطاف به من نزاع، وردّنا إلى كتب تفيدُ في درسِها، منها كتابه الذي ذكرتُه آنفًا.
وكان أستاذي ابنُ حسين انتقد كتابتي تلك القصيدة، وقال مازحًا موبّخًا: (جرّك القومُ إلى مستنقعهم!) فقد كان شديدَ الإباءِ للتفعيلة، لا يراها من الشعر، ولا يُقرّ بقرابتِها من القصيدة المأثورة. فكان تشجيعُ عزِّ الدين الأمين آسيًا بعد عتَبِ ابن حسين، رحمهما الله.
وثمّ أستاذ مصري لا يُنسى، اسمه (عبدالستار زمّوط)، وهو عجَبٌ من الرجال، رَبْعَةٌ إلى القِصَر أدنى، ولكنه (خَشاشٌ كرأسِ الحيّةِ المتوقّدِ) إذ كان حافظًا متنَ (بغية الإيضاح) في البلاغة، يقف وقفةَ خطيبٍ مِصْقَع، فيهدِرُ شارحًا بلغةٍ فصيحة لا يشوبُها لحنٌ ولا تعتعة، وكان صيّتًا يسمعُه من في أقصى الكلية، ومن أجلِ هذا أدرجتُ اسمه في بعض معابثاتي الشعرية، فقلت:
سوف يتّلي الأمرَ زمّطونْ
فهْو مِصْقَعٌ يحسرُ العيونْ
ولمزيد من العبث والمجون أضفت في حاشية القصيدة: (زَمّطون: لغة في زمّوط)!
ومن طرائف جهارة صوته أن أستاذًا لنا سمع زمّوطًا يدرّس الشعبة المجاورة، فتبسّمَ تبسمَ العجَب والاستِهالة، وسكت هنيهاتٍ، ثم أمر أحدَ الطلاب أن يغلقَ البابَ والنافذة حتى يتسنّى له إكمال درسه! وجهارة الصوت من المحامد عند العرب، وضدُّها من المذامّ، ولهذا قال الشاعر مادحًا:
جهيرُ الكلامِ جهيرُ العُطاسِ
جهيرُ الرُّواءِ جهيرُ النغمْ
وهذه الصفة في زمّوطٍ أزّتني إلى تصديق ما قيل عن جهارة صوتِ مَنْ قال فيه الجعديُّ:
زجْرَ أبي عروة السّباعَ إذا
أشفق أن يختلطنَ بالغنمِ
وزعمت الرواةُ أن أبا عروة ذاك كان يزجرُ السباعَ عن الغنم، فيفتقُ مرارةَ السبُع في جوفه! وعدّه المبرّد من (تكاذيب الأعراب).
وليست جهارة الصوت وعُلوُّه محمَدةً مطلقًا، بل الحمدُ متصلٌ بالمقام، وكذلك الذمُّ، وفي التنزيل العزيز: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)، وفيه: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى)، وفي الحديث: (فنادى بأعلى صوتِه: وَيلٌ للأعقابِ من النَّارِ)؛ ولذلك قال الأصمعي للمفضّل الضبيّ في مُشارّةٍ كانت بينهما، رفع فيها المفضّلُ صوتَه: «لو نَفَخْتَ في شَبّورِ يهوديٍّ ما نفعك، تكلّمْ بكلامِ النملِ وأَصِبْ».
رجعَ الحديثُ:
وغابت عني أخبار زَمّوطٍ بعد تخرجي، وزعم أحدُ تلاميذِه أنه رآه في قناة فضائية مصرية (يخطب الجمعة) وما أحراه بذلك وما أليقَه به! ثم بلغني بعد حين أن الله استأثر به، رحمه الله.
وكان في كلية اللغة العربية رهطٌ من الأساتيذ لم نحظَ بالدرس بين أيديهم، ولكننا حضرنا لهم محاضراتٍ عامّةً، رأسُهم الشيخ محمد عبدالخالق عضيمة -رحمه الله- (ت 1404هـ / 1984م)، صاحب (دراسات لأسلوب القرآن الكريم) الذي حاز به جائزةَ الملك فيصل، وكان مكثَ في تأليفه نحوَ خمس وثلاثين سنة!
حضرتُ بضعَ محاضراتٍ عامّة ألقاها في مبنى الكلية الأقدم بشارع الوزير، وكان -رحمه الله- ثقيلَ السمع، وهو جبلٌ من جبال العلم، سمعتُ عن زهده وتقشّفِه وتجرّده للعلم ما يذكّرُ سيرَ العلماء القدماء. وزاد في مهابتِه أنه كان لا يلبسُ إلا لباسَه الأزهري بعمامته المُعلَمة، وذلك مما يعجبُني ويزيدُني إجلالًا لصاحبه.
ومنهم عبدالرحمن رأفت الباشا -رحمه الله- (ت 1406هـ / 1986م)، الذي توفي قبل تخرّجنا بسنة، وكان المنتظَرُ أن يدرسّنا في السنة الأخيرة، مع أن الطلابَ كان يُوحي بعضُهم إلى بعضٍ المخافةَ من شدّتِه ودقّتِه، وهما سِمَتاه الظاهرتان.
وأذكرُ أني حضرت محاضرتَه عن الأسلوب والأخطاء الكتابية في مبنى الكلية بالناصرية، وكانت ثرّةً ثريّة، أفدتُ منها، وقيّدتُ ما استطعتُ واحتفظتُ به برهةً.
ومن أساتذة الكلية الكرام الدكتور عبدالعزيز بن محمد الفيصل، متّعه الله بالعافية، ولم يدرّسنا، ولكني عرفته مزاملًا إياه في قسم الأدب، وهو رجل جادّ مؤثرٌ للصمت، يتنكّبُ الجدلَ والمناقشة العقيم، ويُبدي آراءه بصوت هادئ غايةٍ في الرّزانة والوقار.
ولم أره حريصًا على إقناع مخالفيه، إذ كان يبدي وجهةَ نظرِه ويدعُ ما عداها، ولا يتشدّد في عرضِ ما يرى. ونتاجُه العلميُّ يشهدُ باطلاعه في الشعر القديم، فله شرحٌ للمعلقات وجمعٌ لأشعار بعض القبائل ودراساتٌ أخرى.
ومن الأساتذة المشهورين إبراهيم الفوزان -رحمه الله- (ت1443هـ / 2022م)، الذي كان إبّان دراستنا الجامعية عميدًا للقبول والتسجيل، فلم يدرّسْنا.
وقد عُرِف عنه لطفُه وإشفاقُه الشديدُ على الطلاب، وسعيُه في نفعهم، وقبولِ أعذارهم. وإلى كرمِ نفسِه اشتمل كرمَ اليد، فقد كان يضيّف مجلسَ القسم في كلّ جلساتِه بالقهوة والتمر، فضلًا على ما كان يُتيحُ في مكتبه لمن يُلِمّ به من زميل أو طالب أو زائر.
ولستُ بناسٍ يومًا زادتْ فيه ثقتي بصفاء قلبه وسموّ روحه، وذلك حين نُوّمتُ في المدينة الطبية بالرياض قبل نحو ثلاثةَ عشرَ عامًا، فهتف بي وسلّم، وقال: إنه سيأتي لزيارتي، فألحَحْتُ عليه ألا يفعل، لأنه كان مفلوجَ الشقّ الأيمن، لا يمشي إلا بعصاه مشيَ المقيّد، وزعمتُ له أني سأغادر المستشفى بعد ساعات، ولا حاجة لأن يشقّ على نفسه، ثم انقضت المهاتفة، وظننتني أقنعته، غير أني بعد نحو ساعة فوجئتُ بأستاذنا الكريم يدخلُ الغرفة على كرسيّه المتحرك يدفعُه مرافقه! رحم الله أبا أديب ولقّاه نَضرةً وسرورًا.
وأذكر من أساتذة الكلية اثنين ذوَي فضل، أتقرّبُ إلى الله بحبّهما، وأرجو أن يثقِّل ميزانَ أعمالي، لم يدرّساني ولكنهما أستاذايَ في الخلُق الرصين، والشمائل الفاخرة.
أولهما محمد بن علي الصامل، الأستاذ الفاردُ خلُقًا وأدبًا، ولي عنه مقالة نشرتْها (الجزيرة الثقافية) منذ سُنَيّات، بُحتُ فيها ببعض ما أعرفه عنه وما أُضمِرُ من إجلالِه وما أُظهِر، غير أني أضيفُ هنا ما يؤكّد سعةَ صدره ورحابةَ قلبه. وفي إيرادِه إمتاعٌ ومؤانسةٌ للقارئ، ولا بأسَ بشيءٍ من (الجاحظية) في هذا المقام.
وذلك أني رويتُ في حضوره ما أظنّه طرفةً فرَطَتْ مني، فأعجبتْه وضحك منها على شَناعتها. وهي أن أحدَ الطلاب استوصفَ موقعَ مكتبي في الكلية، وقدّم لذلك بقولِه: (إنه لا يعرفُ من مكاتب الأساتذة سوى مكتب محمّد الصامل)، وكان فوق مكتبي في الطابق الثالث. فنضجتِ الطرفةُ على لساني (أو حبَكت النكتةُ بالتعبير المصري)، فقلت: (أرأيتَ مكتبَ محمد الصامل؟ لو أنه خُسِف به لوقع في مكتبي، ولو أنه عُرِج بي لصرتُ في مكتبه)! عفا الله عنه وعني.
والآخر حسن بن محمد الحفظي الذي هو بمنزلة أستاذي علمًا وسنًّا، ولكنه ينظر إليّ نظرةَ الـمُشاكِل، ويُشعرُني بنُبلِه بأنّ فيَّ ما ليس فيَّ، ويُوحي إليَّ بتواضعه وبشاشة روحه وحلاوةِ لسانِه بأن الدنيا طيّبة، طيّبٌ ما فيها. عرفتُه وأنا طالب، وجالستُه مزاملًا إياه، فكان هو إياه تواضعًا وأُنسًا وإيناسًا وبشاشةً.
وكان من الحظِّ الباسمِ مزاملةُ هذين القَرْمينِ في مجلس كلية اللغة العربية بين سنتي 1426 و1429هـ، فكنتُ أتعلّم منهما حسنَ القول، وأقتدي بهما في النُّبل والمروءة ولينِ الجانب وسماحةِ القلب. حفظهما الله ورزقني وإياهما العفو والعافية.
خاتمة القول:
كان ما رويتُ عن الأشياخ والأساتيذ في هذه السلسلة غيضًا من فيوض، وفي الجَعبةِ ذِكَرٌ أخرى، وأخبارٌ لِطافٌ، وبعضُها أودى به النسيان، وأفنَتْ تفاصيلَه السنوات. وعسى أن تجمَّ البئرُ فأنتزحَ ماءَ الذكرى مرةً أخرى. ولله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ.