أ.د.عمر بن عبدالعزيز المحمود
تمضي الحياة في الغالب على مهل، حتى حين تبدو مسرعة، تمضي وهي تجمع في القلب أشياء صغيرة لا يلتفت إليها المرء في حينها، ثم يكتشف لاحقاً أنها صارت أثقل ما يحمله، في هذا الامتداد الهادئ تتشكّل علاقتنا بالحب، وينمو الحنين، ويتخذ الشوق صوراً متعددة، بعضها واضح، وبعضها يختبئ في التفاصيل اليومية.
الحب في الحياة لا يأتي دفعة واحدة، إنما يتكوّن عبر التجربة، ويترسّخ عبر المعايشة، ينمو في المساحات المشتركة، وفي اللحظات العابرة، وفي الصمت الذي يتقاسمه شخصان دون حاجة إلى تفسير، ومع مرور الوقت يتحوّل الحب إلى وعيٍ بالآخر، وإلى انتباه دائم لما يفرحه وما يؤلمه، وإلى استعداد داخلي للمشاركة، حتى في أبسط الأشياء.
ومع الحب يتكوّن الحنين بوصفه ذاكرة حيّة، الحنين لا يرتبط بالماضي وحده، بل يتصل بما عشناه بصدق، وبما ترك في النفس أثرًا مستمرًا، قد يكون الحنين إلى مكان، أو إلى زمن، أو إلى شخص، وقد يكون إلى نسخة سابقة من الذات، تلك التي كانت ترى العالم بعين أقل خبرة وأكثر دهشة، في هذا الحنين يستعيد الإنسان مشاعره الأولى، ويعيد ترتيب علاقته بما مضى، دون أن يفقد قدرته على المضي قدمًا.
أما الشوق فيحضر بوصفه حركةً داخليةً لا تهدأ بسهولة، الشوق طاقة شعورية، تدفع القلب إلى التذكّر، وتحرّك الخيال، وتمنح الغياب حضوراً مختلفاً، يظهر الشوق حين تتسع المسافة، وتتباعد الأمكنة، ويتأخر اللقاء، ومع ذلك يحمل الشوق وجهاً إيجابيا؛ لأنه يدل على امتلاء التجربة، وعلى أن ما غاب كان جديرًا بأن يُشتاق إليه.
في الحياة تتقاطع هذه المشاعر الثلاثة في لحظات كثيرة، الحب يمنح الوجود دفئه، والحنين يمنحه عمقه، والشوق يمنحه حركته، ومن خلال هذا التداخل تتكوّن نظرتنا إلى الأيام، وإلى العلاقات، وإلى أنفسنا، فالحياة التي تُعاش بلا حب تفقد بعض ألوانها، والحياة التي تخلو من الحنين تفقد امتدادها، والحياة التي يغيب عنها الشوق تفقد دافعها الخفي.
ومع تقدّم العمر، تتبدّل طريقة حضور هذه المشاعر، يصبح الحب أكثر هدوءا وأكثر وعيا، ويغدو الحنين أكثر صفاء، ويتحوّل الشوق إلى إحساس متزن، لا يربك صاحبه بقدر ما يرافقه، في هذه المرحلة يتعلّم الإنسان أن المشاعر لا تطلب الاكتمال، بل تطلب الصدق، الصدق في العيش، والصدق في التعلّق، والصدق في الاعتراف بما ترك أثره في القلب.
تعلّمنا الحياة أن بعض العلاقات تبقى، وبعضها يمرّ، وبعضها يترك أثراً أطول من حضوره، وتعلّمنا أيضاً أن الحب لا يُقاس بعمق الأثر لا طول الزمن، وأن الحنين يعني الاعتراف بقيمة الماضي لا التعلق به، وأن الشوق ليس ضعفا، إنما دليل على إنسانية حيّة، وقلب قادر على الإحساس.
يمضي الإنسان في حياته محمّلاً بهذه المشاعر، يخفّف بعضها عنه، ويحتفظ ببعضها الآخر، ويتصالح مع وجودها جميعا، وفي هذا التصالح تتكوّن الحكمة الهادئة التي تجعل الحياة أكثر احتمالا، وأكثر دفئاً، وأكثر قرباً من القلب، وهكذا تمضي الأيام متوازنة بما تحمله من حب، وما تختزنه من حنين، وما توقظه من شوق.