صباح عبدالله
في رواية «القبيلة التي تضحك ليلًا» لا يتقدّم السرد كحكاية تبحث عن اكتمالها، ولا يتحرك النص وفق حدث مركزي ينتظر القارئ انفجاره، لكنه يوغل ببطء نحو منطقة أكثر هشاشة وأشد قسوة في أثرها؛ وهي منطقة الانتظار، انتظار لا يعرّف نفسه بوضوح، ولا يملك نهاية مؤكدة، انتظار يتسلل إلى الجسد والفكرة واللغة، حتى يتحول إلى شكل من أشكال الوجود اليومي.
النص لا يرفع صوته، ولا يدخل في مواجهة مباشرة مع القبيلة أو منظومتها، لكنه يضع القارئ داخل مساحة مغلقة، حيث الأفكار تدور على نفسها، والذاكرة تستعيد التفاصيل ذاتها بصيغ مختلفة، وحيث يتحول الصمت إلى لغة كاملة، القبيلة في هذا العمل ليست كيانًا ظاهرًا في المشهد، ولا سلطة تصدر أوامرها علنًا، إنها حضور داخلي، ظل ثقيل، ضحك خافت يحدث في الليل حين يظن الجميع أن الحساب مؤجل.
الرواية تتحرك في زمن قصير، يوم واحد تقريبًا، غير أن هذا اليوم يتسع ليحتوي سنوات من القلق والتأجيل والأسئلة المؤجلة، الزمن لا يسير إلى الأمام، يعود، يلتف، يعيد المشاهد نفسها مع اختلاف طفيف في زاوية النظر، هذا البناء الزمني يمنح النص ثقله النفسي، ويجعل القارئ شريكًا في التجربة، لا متلقيًا لها فقط، القراءة هنا ليست متابعة أحداث، هي معايشة حالة .
الإنجاب في الرواية ليس موضوعًا عابرًا، ولا قضية اجتماعية تُطرح بصيغة مباشرة، هو مركز ثقل خفي، النقطة التي تتجمع حولها كل الأسئلة الأخرى؛ الرجولة، الامتداد، الاعتراف، المكانة، الجسد يتحول إلى مساحة مساءلة، لا كجسد مادي فقط، كجسد محمّل بتوقعات الجماعة ومعاييرها غير المكتوبة، كل تأخير يتحول إلى علامة، وكل صمت يُفسَّر، وكل نظرة تحمل أكثر مما تقوله , اللافت أن النص لا يمنح القارئ متهمًا واضحًا، لا توجد شخصية شريرة، ولا خطاب إدانة مباشر، الضغط لا يأتي من شخص بعينه، يأتي من الجو العام، من اللغة المتداولة، من العبارات الصغيرة التي تُقال دون قصد، من المقارنات العابرة، وهذا ما يجعل الرواية أكثر إيلامًا؛ لأن العنف فيها غير مرئي، موزّع، يصعب الإمساك به أو الاعتراض عليه.
اللغة في الرواية هادئة، مقتصدة، لا تميل إلى الزخرفة، ولا تبحث عن جمل لافتة بقدر ما تبحث عن نبرة صادقة، السرد الداخلي يشكل العمود الفقري للنص، ومعه تتكشف هشاشة الشخصية، وتناقضاتها، ومحاولاتها المستمرة لإقناع نفسها قبل إقناع الآخرين، اللغة لا تشرح، تلمّح، تترك فراغات يتولى القارئ ملأها من تجربته الخاصة, من أكثر ما يميز العمل قدرته على تحويل التفاصيل اليومية إلى علامات دالة، مشهد عابر، عبارة قصيرة، حركة جسدية بسيطة، كلها تحمل شحنة رمزية عالية، الرواية لا تعتمد على الرمز المباشر، تعتمد على تراكم الإيحاء، وعلى العلاقة بين ما يُقال وما يُترك معلقًا، وهذا الأسلوب يمنح النص قابلية لإعادة القراءة، ففي كل مرة تظهر طبقة جديدة من المعنى.
القبيلة هنا ليست مجرد خلفية اجتماعية، هي بنية تفكير، طريقة قياس، نظام قيم يحدد ما يُعد نجاحًا وما يُحسب إخفاقًا، الشخصية لا ترفض هذا النظام صراحة، ولا تعلن التمرد عليه، هي تعيش داخله، تحاول التكيّف، وتختبر حدود الصبر، هذا التردد بين القبول والرفض يمنح الرواية صدقها؛ لأنها لا تقدم بطلًا استثنائيًا، تقدم إنسانًا عاديًا، مأزومًا، مترددًا، يشبه الكثيرين, والضحك الليلي، في أحد مستوياته، يمكن قراءته كصوت للذاكرة الجمعية، تلك التي لا تنام، ولا تنسى، ولا تسمح للفرد أن يبدأ من الصفر، كل محاولة للانفصال عن الماضي تُقابل بتذكير خافت، وكل أمل جديد يُختبر على ضوء ما سبق، الرواية لا تنكر أهمية الانتماء، لكنها تطرح سؤال كلفته النفسية، وسعر الحفاظ عليه دون تفاوض.
اللافت أيضًا أن النص لا يقدّم حلًا، ولا يختتم بإجابة واضحة، النهاية تظل مفتوحة، كما لو أن الرواية تقول إن الأسئلة الكبرى لا تُغلق، وإن بعض التجارب لا تُحسم، فقط تُعاش، وهذا الاختيار الجمالي ينسجم مع طبيعة الموضوع، ومع رؤية العمل التي ترفض التبسيط.
«القبيلة التي تضحك ليلًا» رواية تعتمد على الصبر، لا تُكافئ القارئ بالعواطف السريعة، ولا تمنحه لحظات ذروة واضحة، لكنها تعمل ببطء، تتسلل، وتترك أثرها بعد الانتهاء منها، هي نص يراكم شعورًا خفيًا بعدم الارتياح، ويدفع القارئ إلى إعادة التفكير في مفاهيم بدت طويلًا محسومة.
في النهاية، تكمن قوة الرواية في الطريقة التي اختارت أن تُروى بها، نص يعرف أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات، تحتاج إلى مساحة، إلى لغة تحترم تعقيد التجربة الإنسانية، وتترك للقارئ حرية التأمل، رواية تضحك في الليل؛ لأن النهار مزدحم باليقينيات، ولأن العتمة وحدها تسمح بسماع الأصوات التي نحاول تجاهلها طويلًا.