د.زكية محمد العتيبي
يشهد السرد السعودي في السنوات الأخيرة تحوّلًا لافتًا في آليات التخييل، يمكن قراءته على أنه انتقال نسقي من الفنتازيا إلى الخيال العلمي بوصفه تعبيرًا عن تغيّر عميق في (الوعي الثقافي) وليس قطيعة جمالية.
هذا التحوّل يطرح فرضية جريئة: نحن أمام جيل روائي جديد يتحفظ على مركزية الأسطورة اجتماعيا ويتجه إلى الخيال العلمي بوصفه لغة المستقبل وأداته النقدية الأجدى.
يتيح لنا النقد الثقافي - كما بلوره الدكتور عبد الله الغذامي عربيّا فهم هذا التحوّل عبر مفهوم (النسق) أي: البنية الثقافية المضمَرة التي تتحكّم في إنتاج المعنى؛ فالأسطورة من هذا المنظور ليست مجرد مادة حكائية، بل نسق ثقافي يؤدي وظيفة تفسير العالم وضبط القيم.
غير أن هذا النسق، مع تسارع الحداثة التقنية وتحوّل أنماط المعرفة، بدأ يفقد مركزيته لصالح أنساق جديدة قوامها العلم والتقنية والاستشراف المستقبلي.
في مراحل سابقة من الرواية السعودية، شكّلت الفنتازيا (الأساطير والغرائبي والخارق واللامعقول) ملاذًا رمزيًا للتعبير عن القلق الوجودي والاجتماعي حيث كانت الأسطورة تمنح النص عمقًا دلاليًا، وتوفّر للكاتب أفقًا تأويليًا رحبًا، لكن النقد الثقافي يكشف أن هذا التعلّق بالأسطورة كان في جانب منه، تعبيرًا عن وعي مأزوم بالواقع وعن مجتمع لم يكن قد حسم علاقته بالحداثة.
يتقدّم اليوم الخيال العلمي (علاقة الإنسان بالعلم والتقنية والتفكير المستقبلي) بوصفه نسقًا بديلًا، - ولا يعني ذلك أنّ الأسطورة قد فقدت قيمتها الجمالية - لأن الفاعلية الثقافية تغيّرت؛ فالجيل الجديد من الروائيين يكتب في سياق مشبع بالتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وتحولات المدينة والهوية، والتفكير المستقبلي ومن هنا، يصبح الخيال العلمي أقدر على مساءلة الحاضر عبر المستقبل، وعلى تفكيك أنساق السلطة والمعرفة بلغة تبدو عقلانية .
تقدّم رواية (رفّ اليوم) لنجوى العتيبي مثالًا دالًا على هذا التحوّل النسقي؛ فقد صنفت هذه الرواية من أعمال الخيال العلمي الاجتماعي؛ لأنها تقوم على فرضية مستقبلية تُضخِّم ممارسات معاصرة مثل منطق الجودة، والأمان، والاختيار المؤسسي، وتحوّلها إلى منظومة شاملة لإدارة حياة الفرد؛ فالرواية لا تقدّم عالمًا واقعيًا صرفًا، وإنما تصوغ زمنًا افتراضيًا غير محدد يُحاكي مستقبلًا قريبًا محتملًا، تُعاد فيه صياغة القرارات اليومية البسيطة بوصفها أدوات ضبط ناعمة للإنسان باسم الحماية والكفاءة.
وبهذا تنتمي الرواية إلى الخيال العلمي الاجتماعي الذي يستخدم التخييل المستقبلي وسيلةً نقدية لكشف علاقة الإنسان بالأنظمة والسلطات الحديثة، لا إلى الخيال العلمي التقني القائم على الاختراعات التكنولوجية.
يتصدّر سؤال العلاقة الجديدة بين الإنسان والمعرفة الرواية مايجعلها قد تجاوزت بهدوء مرحلة الفنتازيا وكأنها تقول على استحياء نحن في زمن تفسير العالم بالعلم والمعرفة وليس بالأساطير وهنا يكمن التحوّل في النسق الثقافي؛ فمن منظورالنقد الثقافي، يمكن القول إننا أمام انتقال من (نسق الأسطورة) إلى (نسق التقدّم) حيث يغدو الخيال العلمي أداة لفضح الأنساق المضمرة للحداثة نفسها؛ فالسرد الجديد يستخدم العلم لكشف توتّراته.
ولا يعني التوجّه إلى الخيال العلمي إنكار الماضي، بل إعادة ترتيبه في الهامش.
خلاصة القول: إن الرواية السعودية تتجه نحو أفق تخييلي جديد، لا يخجل من الأسطورة بقدر ما يضعها في موضعها التاريخي، ويفتح المجال أمام سردٍ يستشرف المستقبل بوصفه ساحة الصراع الثقافي القادمة.
نحن أمام جيل روائي يرى في الخيال العلمي لغة العصر، ومرآته الأكثر صدقًا.
** **
- أديبة وأكاديمية سعودية