د. شاهر النهاري
في زمن تتكاثر فيه الكتب كما تتكاثر خيوط العناكب على رفوف المكتبات، يزداد الخلط بين ما هو علمي وما هو مكتوب عن العلم.
فكثيرون باتوا يظنون أن الكتاب مصدر للمعلومة، لمجرد أنه يتناول موضوعًا علميًا أو كونيًا أو تاريخيًا، فيتحول لديهم تلقائيًا إلى مرجع معرفي يُعتد به.
غير أن هذه النظرة مغلوطة، وتُخفي فارقًا جوهريًا وخطيرًا بين الكتاب بوصفه منتجًا ثقافيًا إنسانيًا مفتوحًا، وبين البحث العلمي الرصين الموثوق بوصفه نتاجًا معرفيًا خاضعًا لقواعد تحكيم صارمة لا تسمح بالارتجال أو الادعاء.
الكتاب، مهما بلغت قيمة صاحبه العلمية أو الأكاديمية، يظل مساحة حرّة، يستطيع المؤلف فيها أن ينتقي ما يشاء، وأن يتخيل، ويربط، ويتجاوز ويخفي ما لا يناسب فكرته، وأن يقدّم فرضيات غير مكتملة أو حتى غير قابلة للاختبار.
يمكن لمن أراد أن يكتب عن الفضاء، عن نشأة الكون، عن أصل الإنسان، عن الأبراج، عن الروح، عن الغيبيات، دون أن يُلزم نفسه بتقديم بيانات علمية قابلة للقياس أو تجارب قابلة للتكرار.
لذلك نجد كتبًا واسعة الانتشار تتحدث عن تناقل أخبار وخرافات ومقولات غير مثبتة مثل حضارات فضائية بنت الأهرامات، أو عن أصل الإنسان الحالي القادم من الفضاء، أو عن ممالك جن وعفاريت وشياطين، وأسرار كونية لم تُكتشف بعد، وحضارات متخيلة لا دليل أركيولوجي عليها، ضمن أطروحات (الهبد)، التي لا تجد لها موطئ قدم في أي مجلة علمية محترمة، لكنها تجد جمهورًا واسعًا يحتضن كتبها، كونها بسيطة، مثيرة، وخالية من تعقيدات وأصول ثبوت المنهج العلمي.
في المقابل، البحث العلمي لا يمنح صاحبه هذه الرفاهية.
فالعَالِمُ حين يقدم بحثًا أو نظرية لا يكتب ما يتخيل أو يتمنى، بل ما يستطيع إثباته حقيقة، وينشره في مجلات علمية عالمية ذات مصداقية، قابلة للنقد والتشريح والمعارضة.
وهو بهذا يخضع لمنهج علمي بحثي واضح، ولأدوات قياس دقيقة متفق عليها، ولمراجعة قاسية من مختصين من كل العالم، لا يعرفونه ولا تعنيهم مكانته الاجتماعية أو الإعلامية.
البحث العلمي لا يُقيَّم بجمال اللغة ولا بقوة الطرح، بل بصرامة الدليل.
ولهذا السبب، لا يكفي أن يكون الكاتب صاحب شهرة كي تُقبل أفكاره علميًا؛ ما لم تُنشر في دورية مُحَكمة، وتخضع للنقد، وتنجح في اجتياز اختبارات التحقق.
من هنا نفهم لماذا نجد كتبًا كثيرة تناقض نظريات علمية راسخة، بينما لا نجد أبحاثًا علمية يفعل بها الأمر نفسه.
نظرية التطور والانتخاب الطبيعي، على سبيل المثال، تُناقَش داخل المجتمع العلمي العالمي منذ أكثر من قرن، وتخضع باستمرار للتعديل والتطوير، لكن لا يوجد بحث علمي محكّم ينقضها من أساسها.
ومع ذلك، تمتلئ المكتبات بكتب نظرية ينكر أصحابها هذه النظرية بالكامل، ينشر كتبها أطباء أو مهندسون أو أكاديميون، دون أن يقدموا ورقة علمية واحدة في مجال البيولوجيا التطورية تناقضها.
الفرق هنا ليس في الشجاعة الفكرية، بل في القدرة على اجتياز بوابة المنهج العلمي، بعلم راسخ، ومقاييس منطقية عقلانية تجريبية.
المفارقة أن كثيرًا من هذه الكتب تلقى رواجًا كبيرًا، لأنها تخاطب عاطفة شريحة واسعة من أنصاف المتعلمين، أولئك الذين ينفرون من الحقائق، والجداول والإحصاءات والمصطلحات الدقيقة، ويفضّلون السرد السلس للخرافات والعلم الزائف والحكاية المثيرة.
فالخرافة، حين تُقدَّم في قالب لغوي جذاب، تصبح أكثر إغراءً من الحقيقة العلمية الجافة بالنظريات والأرقام والحفريات والدلائل.
ولهذا تنتشر كتب الإعجاز الانتقائي، وحكايات الغموض، والمعالجة البديلة، وكتب فك الأسرار الكونية، وكتب عن الجن والعفاريت، وكتب عن تاريخ متخيل، بينما تبقى الأبحاث العلمية حبيسة المجلات العلمية المتخصصة، لا يطّلع عليها إلا من امتلك أدوات الفهم، والنقد والنقض.
العلم الحقيقي لا يدّعي الكمال، لكنه يمتلك ميزة لا يملكها أي خطاب آخر، وهي قدرته على الارتقاء، وتصحيح نفسه ومعالجة نقاط الخلل.
الفرضيات والنظريات العلمية الكبرى لم تصل إلى صورتها الحالية دفعة واحدة، بل عبر تراكم طويل من الشك والدراسات والتجريب والتعديل.
نماذج نشأة الكون تغيّرت مع تطور أدوات الرصد، ونظريات تطور الإنسان عُدلت مع اكتشاف حفريات جديدة وتحليل جيني أدق.
وهذه التغيّرات لا تعد ضعفًا، بل دليل صحة، لأن العلم لا يقدّس نتائجه، بل يتركها مفتوحة للمراجعة، والتطوير بكل ثقة.
في العالم العربي، تتضاعف المشكلات الفكرية بسبب الخلط المزمن بين الكتابة عما يُعتقد أنه علم، وبين العلم نفسه.
مكتباتنا وبحوث جامعاتنا مليئة بآلاف الكتب، لكن إسهامنا في البحث العلمي العالمي نادر ومحدود التأثير.
الأخطر من ذلك أن بعض المؤسسات الأكاديمية والجامعات العربية مَنَحت في مراحل سابقة، شرعية شكلية وشهادات، وجوائز لأعمال ركيكة لا تستوفي الحد الأدنى من المعايير العلمية، فاختلط على القارئ، بل وعلى الأكاديمي ما هو بحث وما هو رأي، وما هو علم وما هو خيال أو أمنيات.
ومع هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح بريق الشهرة بديلاً عن بريق الدليل.
المطلوب فقط شخص يمتلك لسانًا فصيحًا وكاميرا وهاتفًا ذكيًا يستطيع أن يصنع لنفسه صورة المفكر أو العالم، ثم يحوّل أفكاره إلى كتاب يُسوّق على أنه اكتشاف معرفي. غير أن العلم لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بعدد المراجعين، ولا يُبنى بالمقاطع القصيرة، بل بالعمل الطويل الصامت.
الكتاب، في نهاية المطاف، ليس جريمة معرفية، ولا عيبًا ثقافيًا.
لكنه يصبح خطيرًا حين يُقدَّم بديلاً عن البحث العلمي، أو حين يُستخدم لإضفاء شرعية على أفكار منقولة لا دليل عليها يمكن التحقق من صحته.
وبينما يمكن لأي شخص أن يكتب كتابًا، وكُتباً، لا يستطيع أي شخص أن ينتج بحثًا علميًا محترمًا موثقًا معترفًا به.
هذا الفارق هو ما يجب أن نستعيد الوعي فيه، وإن أردنا أن نفرّق بين المعرفة التي تُدهش، والمعرفة التي تُثبت، وبين الثقافة التي تُسلّي، والعلم الذي يُبنى عليه المستقبل بكل مخترعاته ومكتشفاته، فما علينا إلا العودة للعلم، ولا شيء غيره.