خالد محمد الدوس
في عالم يتحول بسرعة فائقة، حيث تتدفق المعلومات وتتعدد الهويات وتتسارع وتيرة الحياة، يبرز سؤال جوهري: كيف ندرك ذواتنا في خضم هذه العواصف الرقمية وتحدياتها والاجتماعية والثقافية..؟
للإجابة عن هذا السؤال، قد نعود إلى عالم الاجتماع الأمريكي «إرفينغ غوفمان»، (1922-1982) ونظريته الدرامية التي رأت الحياة الاجتماعية مسرحاً كبيراً، لنكتشف أنها أكثر راهنية من أي وقت مضى.!
عند» إرفينغ غوفمان»، لا ينفصل الوعي الذاتي عن «الرقابة الدائمة» التي نمارسها على أنفسنا في وجود الآخرين. ويرى غوفمان أننا، في كل تفاعل اجتماعي، نكون مدركين تمامًا أننا تحت «مجهر الملاحظة»، وهذا الوعي هو ما يدفعنا لـ»إدارة الانطباع» وتقديم نسخة من الذات تلائم السياق الاجتماعي.
قبل أكثر من (ستة عقود زمنية)، قدم غوفمان رؤية ثورية فسر من خلالها التفاعل البشري. في نظريته المعروفة بـ»النظرية الدرامية» شبه الحياة الاجتماعية بالمسرح، حيث يمثل كل فرد دوراً على خشبة الحياة، ويقوم» بإدارة انطباعات» الآخرين عنه بطريقة واعية أو غير واعية. وبحسب نظرية غوفمان تتكون الذات من :
- المؤدي: الذات الواعية التي تخطط وتمثل الدور.
- الشخصية: الصورة المثالية التي نسعى لعرضها على الجمهور.
منظور (غوفمان) تحليلي ومحايد، فهو لا يحكم على السلوك بأنه «نفاق» أخلاقي، بل يصفه «كآلية تكيف اجتماعي معقدة»، ضرورية لاستمرار التفاعل الاجتماعي وتنظيمه، حيث نقدم نسخاً مختلفة من أنفسنا في المواقف المختلفة: في العمل، مع العائلة، مع الأصدقاء.. وهنا بالضبط حيث تلتقي نظرية غوفمان مع تحولات عصرنا وتحدياته التكنولوجية.
إذا كانت الحياة التقليدية تملك «منطقة أمامية» (المسرح)، و»منطقة خلفية» (الكواليس)، فإن العصر الرقمي قد أعاد تعريف هذه المناطق بشكل جذري من خلال:
- الواجهات المتعددة: لم يّعد للفرد مسرح واحد (مكتب، منزل، مقهى)، بل أصبحت له عشرات الواجهات الرقمية.
- تداخل الكواليس: ما كان يُعتبر كواليس خاصة (اللحظات العابرة، الآراء غير المكتملة) أصبح جزءاً من الأداء العلني عبر المحادثات المباشرة في المنصات الرقمية المتنوعة.
- جمهور عالمي غير مرئي: جمهور المسرح الرقمي قد يكون أوسع بكثير وأقل قابلية للاستيعاب من جمهور المسرح التقليدي.
ولعل أبرز ما يختلف في مسرحنا المعاصر هو وتيرة الأداء وتسارعه. يشير الباحثون في علم الاجتماع الرقمي ..إلى أن الثقافة الرقمية تخلق «تسارعاً اجتماعياً» يجعل إيقاع الحياة أسرع، ويضغط على الأفراد للاستجابة الفورية، والتفاعل المستمر، وتحديث أدوارهم باستمرار.. هذا التسارع يخلق تحديات محددة «للوعي الذاتي»:
- تعدد الأدوار والتبديل السريع بينها: من دور الموظف الجاد في اجتماع «زوم» إلى دور الصديق المضحك في مجموعة واتساب إلى دور الناشط في منشور - كمنصة أكس (تويتر سابقاً) ذلك في دقائق.
- استنفاد المؤدي: يؤدي الضغط للتواجد الدائم والاستجابة السريعة إلى إرهاق ذاتي، حيث تشعر «ذاتنا المؤدية» بالإنهاك من حِمل إدارة كل هذه العروض المتزامنة.
- أزمة التماسك الذاتي: مع تعدد المسارح والجماهير، يصبح السؤال: من «أنا» الحقيقية وسط كل هذه الأدوار؟ وكيف أحافظ على تماسك ذاتي مع هذه التجزئة الرقمية؟
وبالطبع مع شدة رياح التغير الثقافي والاجتماعي التي تشهده المجتمعات المعاصرة اصبحت هناك تحديات للجيل الرقمي، وحالة الصراع بين الانفتاح والتماسك الذاتي..!! وبحسب نظرية غوفمان يواجه الجيل الصاعد، الذي نشأ في هذه البيئة الرقمية، تحديات فريدة في تشكيل وعيه الذاتي.. بسبب التعرّض لثقافات وقيم متنوعة مستوردة قد تتعارض مع القيم الاجتماعية التقليدية السائدة التي نشأ عليها. وأيضاً الضغط للتكيف مع معايير رقمية عالمية ربما تتصارع مع الهوية المحلية..!.
في ضوء هذه التحديات، كيف يمكننا تطوير وعي ذاتي صحي ومتماسك..؟
يمكن من خلال إعادة تعريف الكواليس الرقمية.. أي خلق مساحات رقمية حقيقية تكون «خلف المسرح»، حيث يمكننا أن نكون أقل تحكماً بانطباعاتنا، كمجموعات صغيرة مع أقرب الأصدقاء.
وكذلك ممارسة الوعي التأملي.. بمعنى تطوير عادة مراجعة الأدوار المختلفة التي نلعبها رقمياً، والتساؤل..!! أي منها يعبر عن قيمنا الأصيلة..؟ وأيها مجرد استجابة لضغوط الجمهور الرقمي..؟! إلى جانب تعزيز الحوار بين الأجيال.. كما تشير بعض الدراسات في علم الاجتماع التربوي، يمكن للحوار بين الأجيال أن يساعد الجيل الصاعد على التكيف مع متطلبات العصر الرقمي مع الحفاظ على التماسك الذاتي والهوية الثقافية.
نظرية غوفمان الدرامية ورغم الانتقادات التي وجهت لها.. ومنها على سبيل الاستدلال إغفال العمق النفسي والأخلاقي.. حيث انتُقد (غوفمان) لتركيزه على «السطح» والتمثيل، وكأن الأفراد مجرد محتالين ماهرين..!!، متجاهلاً الدوافع الأخلاقية والقيم الداخلية الحقيقية. وكذلك صعوبة الاختبار التجريبي، أي يصعب صياغة فرضيات قابلة للقياس والاختبار منها، مما يحّد من طبيعتها كـ»نظرية» بالمفهوم العلمي الصارم.
ورغم نقدّها فهي تذكّرنا بأن الأداء الاجتماعي جزء من طبيعتنا البشرية. التحدي في عصرنا ليس التوقف عن الأداء -فهذا مستحيل- بل أن نؤدي بأكثر طريقة واعية وصحية.
في النهاية، قد يكون الفرق بين الوعي الذاتي الصحي، والتمزق الذاتي هو قدرتنا على التمييز بين الأدوار التي نلعبها والذات التي نحن عليها، وبين الاندماج في المسرح الرقمي والحفاظ على مساحة داخلية خاصة لا تخضع لإيقاعه المتسارع.
في عصر تتعرض فيه ذاتنا للتمزق بين مسارح متعددة وجماهير غير مرئية، يكون تطوير (وعي ذاتي).. رشيق ومتزن ليس رفاهية، بل ضرورة للبقاء نفسياً واجتماعياً في عالم لم يعد مسرحاً واحداً، بل عشرات المسارح المتزامنة التي نؤدي فيها جميعاً، طوال الوقت.
وبشكل عام يمثل» الوعي الذاتي» عند (غوفمان).. آلية مراقبة وتكيّف اجتماعي وهي يرى أن الفرد ممثل واعي على خشبة مسرح الحياة، يتبادل الأدوار بين الواجهة والكواليس، ويستخدم تقنيات» إدارة الانطباع» لعرض شخصية تتوافق مع توقعات كل جمهور. هذه الرؤية تذكرنا بأن «هويتنا الاجتماعية» ليست جوهرًا ثابتًا، بل هي بناء ديناميكي نتشارك في صناعته مع الآخرين في كل لقاء.