يحيى العلكمي
تُعدّ دهشة المعنى في النص المسرحي من القيم الجمالية والفكرية التي تمنح العمل المسرحي قدرته على النفاذ إلى وعي المتلقي والبقاء في ذاكرته؛ فالمسرح ليس بناءً لغويًا مكتفيًا بذاته، بل فعل تواصلي حيّ، لا يكتمل إلا بحضور الجمهور بوصفه عنصرًا فاعلًا في إنتاج الدلالة وإعادة تشكيلها. وعليه فإن المعنى في المسرح لا يُقاس بمدى تعقيده أو كثافته، بل بقدرته على إحداث تلك الدهشة التي تحفّز التفكير وتفتح أفق التأويل.
دهشة المعنى لا تعني الغموض المفتعل أو التعمية المقصودة، بل تنشأ من التوازن الدقيق بين ما يُقال وما يُضمر، وبين المباشر والإيحائي؛ إذ النص المسرحي الناجح هو الذي يترك مساحات ذكية لوعي المتلقي كي يشارك في ملء الفراغات(البياضات) دون أن يشعر بالانفصال أو التيه، فيتحول الجمهور من متلقٍ سلبي إلى شريك في إعادة القراءة والإنتاج، ويغدو العرض تجربة معرفية وجمالية مشتركة.
غير أن بعض النصوص المسرحية الحديثة تهمل هذا البعد الحيوي، فتغرق في بناء لغوي أو فكري مغلق، يراكم الرموز والمفاهيم دون أن يمنحها جسورًا واضحة نحو المتلقي. يعود ذلك أحيانًا إلى جهل بطبيعة المسرح بوصفه فنًا أدائيًا جماهيريًا، وأحيانًا أخرى إلى استغراق مفرط في التجريب أو الرغبة في استعراض القدرة الأسلوبية، في مثل هذه الحالات، يتحول النص إلى كيان معزول، يُقرأ بإعجاب على الورق، لكنه يفقد جزءًا كبيرًا من طاقته حين يواجه الخشبة.
إن إهمال المتلقي بوصفه محور العملية المسرحية يؤدي إلى اختلال في الفعل الدرامي نفسه، إذ تصبح الدلالة عبئًا لا عنصر إضاءة. فكل رمز لا يجد مدخله، وكل فكرة لا تصنع لحظة دهشة، تتحول إلى ثقل يربك العرض بدل أن يغنيه. المشكلة هنا ليست في عمق الفكرة، بل في طريقة تقديمها وتشكيلها ضمن سياق أدائي فرجوي يسمح بتداولها واستيعابها.
المتلقي في المسرح ليس قارئًا عابرًا، بل ذاتٌ فاعلةٌ، تتفاعل مع الإيقاع والصورة والصوت بقدر تفاعلها مع اللغة، ومن ثَمّ فإن الكاتب المسرحي مدعو إلى وعي مزدوج: وعي ببناء النص، ووعي بمصيره على الخشبة. إن النص الناجح في إحداث دهشة المعنى هو ذلك الذي يحترم ذكاء الجمهور، دون أن يتخلى عن مسؤوليته في الإرشاد الدلالي.
أخيرا أزعم أن دهشة المعنى لن تتحقق إلا حين يغادر النص انغلاقه، ويقبل بالمشاركة. ففي المسافة بين الكاتب والمتلقي، وبين الكلمة وتجسيدها، يولد المسرح بوصفه فعلًا إنسانيًا حيًا، لا خطابًا معلقًا في فراغ اللغة وسماوات بهرجتها البلاغية.
** **
- كاتب وناقد مسرحي