أ.د. محمد بن عبدالعزيز العميريني
أدّت اللغة العربية عبر تاريخها الطويل دورًا مركزيًا في نقل المعرفة وتكوين الوعي الحضاري، إذ شكّلت وسيطًا معرفيًا لتداول العلوم والفلسفة والدين، وأسهمت في بناء نسق فكري تفاعلي بين الإنسان ومحيطه، كما أن بنيتها الصرفية والنحوية والدلالية، بما تتّسم به من مرونة وإنتاجية، مكّنتها من التكيّف مع المتغيّرات الثقافية والتاريخية، ومن الاستمرار في أداء وظيفتها التكوينية والتعليمية.
وتقتضي دراسة اللغة العربية في هذا الإطار اللساني الحضاري النظر إليها بوصفها منظومة دينامية تُنتج المعنى وتُعيد تشكيل الوعي باستمرار، لا مجرد وسيلة للتعبير عن الوعي القائم، كما أنها بعمقها التاريخي والثقافي تمثّل أكثر من لغة تواصل، بل تشكّل نسقاً حضارياً كاملاً، ومنظومة قيمية أسهمت في تشكيل الوعي الإنساني عبر قرون.
ومن -هنا- بات تعليم العربية لغير الناطقين بها غير مندرج ضمن التعليم اللغوي التقليدي، بل يُعد مشروعاً معرفياً واستراتيجياً يُعيد وصل الإنسان بتراث فكري عالمي، ويمنحه أدوات لفهم ثقافة ذات تأثير تاريخي أصيل.
وشهد تعليم العربية لغير الناطقين بها في الآونة الأخيرة توسعاً ملحوظاً في المؤسسات والجامعات الأكاديمية، ومراكز التعليم، لكن المشاهد أن هذا التوسع الواقعي لم يصحبه تحسن نوعي في المخرجات التعليمية، بل لم يزل دائراً في فلك مشكلات تربوية وتعليمية تتعمق آثارها في ظل عدم الاهتمام بإصلاحها أو محاولة تقويمها بما يتناسب مع واقع التعلم، وحاجات المتعلم.
وتلك المشكلات أظنها قديمة قدم تعليم العربية لغير الناطقين بها، ولم يظهر في الأفق بوادر تقييم أو إعادة تشكيل، وتكمن هذه المشكلات في عنصرين رئيسين: ضعف أداء المعلمين، واضطراب المناهج التعليمية، وأي محاولة لعلاج كل عنصر بصورة منفصلة أو سطحية، أو دون تحليل العلاقة التكاملية بينهما يُعمّق المشكلة، ويُفاقم الاضطراب، ويُبقي الخلل وكأنه أمرٌ مشروع معرفياً، وواقع كثير من الدراسات الحديثة-في نظري- تطرح حلولاً مستقلة ومنفصلة، وربما انتقائية، دون اللجوء إلى تقديم حل شامل يضمن معالجة متكاملة، أو تقويم تلك المحاولات التربوية التي أسلمت إلى مزيد من الخلل والانفصال المعرفي.
وأضحى الإخفاق المتكرر في تعليم العربية لغير الناطقين بها ليس مجرد خللٍ إجرائي يمكن تجاوزه بتعديل كتاب أو إضافة ساعات تدريب أو توسّع في نصوص التطبيق، بل بات مؤشراً على أزمة عميقة في الرؤية التربوية والمنهجية التي تحكم هذا المجال، فالعربية - رغم غناها البنيوي والحضاري -، تُقدَّم في كثير من البرامج التعليمية بوصفها لغةً صعبة، ليس لأن طبيعتها كذلك، بل لأن تعليمها يُدار ضمن ثنائية مُقلقة: معلم غير مهيأ، ومنهج مضطرب التصور.
ويمكن وصف الضعف لدى أكثر المعلمين بأنه خلل بنيوي لا فردي، خلل مؤسسي لا شخصي، إذ لا يمكن اختزال ضعف المعلم في نقص الكفاءة الشخصية أو ضعف الأداء الصفّي، لأن الإشكال أعمق من ذلك، فمعظم معلمي العربية لغير الناطقين بها لم يخضعوا لتكوينٍ تخصصي يُراعي خصوصية هذا الحقل، بل صُوِّر تعليم العربية على أنه امتداد طبيعي لتعليمها للناطقين بها، أو أنه فرع ثانوي لا يحتاج إلى إعداد مستقل، أو تدريب متخصص، والمراقب لهذا الوضع يُدرك تماماً أن المعلم في مثل تلك الحالة وقع في إشكال فلسفي عميق مصدره المؤسسة التعليمية التي لم تُفرّق بين المعرفة اللغوية والكفاية التعليمية، وكأن (المفترض) أن التمكن من العربية فقط شرط كافٍ لتعليمها لغير الناطقين بها، و-هنا- وقع المعلم في تحدٍ كبير يفترض فيه أن يكون عالماً لغوياً، وفيلسوفاً في طرائق التربية وأصول المناهج، فلجأ المعلمون إلى التركيز على الجانب التعليمي بافتراض أن العربية تُقدم بصورة واحدة للجميع، وقبلوا في تلك الحالة مختلف المناهج التعليمية دون التحقق من واقعيتها، وجدة مخرجاتها، ومناسبتها لواقع المتعلم.
كما يشكل اضطراب المنهج وغياب الفلسفة التعليمية معضلة أخرى في تعليم العربية لغير الناطقين بها، ولا أتحدث -هنا- عن المحتوى المعرفي للمناهج إذ ذاك أمره يسير، قد يخضع لثقافة المعلم وخبرته في هذا الميدان، وإنما تكمن مشكلة المنهج التعليمي في غموض الأهداف التعليمية، وهذا الغموض أسلم إلى نشوء مشكلتين عميقتين في التأثير: تشتت المحتوى، وأحياناً تفاوت لغته التطبيقية، وكذلك تضارب الأولويات المهارية، فالمتعلم لا يعرف هل المنهج يسعى إلى إكسابه قدرة تواصلية (خاصة في حديثه اليومي)، أو إلى تمكينه من قراءة النصوص، وذلك لأن تلك النصوص في كثير من المناهج التي وقفتُ عليها لا تنطلق من حاجات المتعلم الحقيقية، ولا تميّز بين مستويات الاكتساب، كما أنها تقدم المهارات اللغوية بصورة غير مترابطة، ربما توحي باستقلال كل م هارة عن الأخرى، وأن المتعلم يجوز أن يكتفي بها دون غيرها، بل إن بعض المناهج تُقحم المصطلحات والمفاهيم النحوية بصورة مبكرة دون توظيف تواصلي، مما مكّن في ذهن المتعلم صعوبة القواعد النحوية، وسوّغ لبعض المعاصرين الدعوة إلى ضرورة تخليص العربية من القواعد النحوية عند تعليمها لغير الناطقين بها، فوقعت المناهج التعليمية في إشكال كبير أفضى إلى اضطراب الأهداف المرجوة من تعليم العربية، والصورة التي ينبغي أن تكون عليها في وعي المتعلم، كل ذلك الخلل أدى إلى أن المناهج أصبحت تجميعاً انتقائياً لنصوص وموضوعات لغوية، وليست مشروعاً تربوياً ومعرفياً متكاملاً، وبعد كل هذه الجهود أو المحاولات لم يزل السؤال قائماً (ومشروعاً) دون إجابة علمية دقيقة: كيف نّقدم العربية بصورة واضحة ومنظمة لغير الناطقين بها؟.
من وجهة نظري، نحتاج إلى معالجة مهنية عاجلة تُعيد بناء برامج إعداد المعلمين، تشمل تدريباً ميدانياً متكاملاً، وتقويماً مستمراً للكفايات التعليمية، كما أننا في حاجة ماسة لتصميم مناهج (واقعية) ترتكز على وضوح الأهداف، ومراعاة واقع المتعلم، ودمج القواعد النحوية في السياق الاستعمالي الصحيح، وفق نصوص تتناسب مع البيئة التعليمية، ورغبات المتعلم، وهدفه الحقيقي من التعلم.
أضف إلى هذا أننا ينبغي أن نُعيد هيكلة المناهج التعليمية السابقة التي تُعاني من تضخم المحتوى مقابل ضعف التوظيف اللغوي للنصوص، والتي كانت تُبنى (عند صياغتها) على افتراض قدرة المتعلم على استيعاب البنية اللغوية بسرعة، دون مراعاة الفروق اللغوية والثقافية، وهو-كما لا يخفى- افتراض غير علمي أفضى إلى انفصال بنيوي بين المنهج، وواقع الصف التعليمي القائم ، وأحال المنهج إلى عبءٍ معرفي متراكم، وليس إلى أداة فاعلة للتكوين اللغوي الهادف.