عبدالله العولقي
أثناءَ بحْثي للكتابةِ عن الأديبِ الفرنسيِّ الكبيرِ غوستاف فلوبير لفَتَ انتباهي أمورٌ غريبةٌ تتعلّقُ بتشابه سيرته الشخصيّة مع أديب روسيا الكبير فيودور ديستويفسكي، فكلاهما وُلد عام 1820م، وقدْ تُوفّي فلوبير عام 1880م بينما رحَلَ ديستويفسكي بعده بثمانية أشهر فقط!!، أمّا مَا يتعلّقُ بالتربية الأُسريّة، فكلاهما وُلد لأب طبيب صارم يعالجُ المرضى ويداوي جروحَ المصابين، هذا الأمرُ الذي نمّى شعور الإحساس المُبكّر بالألم في نفْسَيْهما، بالإضافة إلى تعلّقِ الشخصيّتين بالأمِّ التي كانا يهربان إليها فزعاً من قسوة الأب!،
بالإضافةِ إلى أنّهما كانا مُصابَين بنوبات الصرع التي لاحقتهما في مسيرتهما الحياتيّة، ليس هذا فحسبْ، بلْ إنّ الأديبَين الكبيرَين عاشا في نطاقِ الطبقةِ المتوسطة، ولكنّ إحْساسَهما المُفْرط بآلام الفقراء كانَ طاغياً على كتاباتِهما، يقولُ فلوبير: لقدْ آن الأوانُ أنْ أفتحَ عيني على مجتمع باريس، هذا المجتمعُ الذي رفضْته لمعرفتي بعيوبه، لذا سأجعله محلّ اهتمامي وموضوعي في كتاباتي، يقولُ الأديبُ العراقيُّ علي حسين: لقدْ حاولَ فلوبير أنْ يعيشَ مع العالم في أصعب مواقفه والكتابة عنه، ولذا فهو يقول: يجبُ ألّا نتوقفَ عنْ الكتابة والتأليف لأنّنا حين نتوقّف ولا نعمل شيئاً نفكر في أنفسنا، وانطلاقاً من ذلك فنحن إذنْ مرضى!!.
تقولُ إحدى الدراسات التربويّة والنفسيّة غير المؤكدة بأنّ الطفل الثاني في الأسرة أحياناً ما يكونُ متمرداً على إرادةِ الأبوين، وهكذا كانَ فلوبير مع والدِه الصارم الذي كان يريدُه أنْ يصبحَ طبيباً مثل أخيه الأكبر الذي ورث عنْ والده منصب كبير الأطباء في المقاطعة!
وُلد فلوبير في مدينة روان التابعة لإقليم السين شمال غرب فرنسا، ونشأ في منزلٍ يقعُ بجوار المستشفى الذي يعملُ فيه والده، فكانَ يقول: نشأتُ وسطَ كلّ المآسي الإنسانيّة التي كانَ يفصلُ بيني وبينها جدار المستشفى!!، وفي عام 1840م، غادر فلوبير إلى باريس لدراسة القانون، بيد أنّ كراهيته للتعليم ونوبات الصرعِ المتكرّرة التي كانت تداهمه فجأة جعلته يتخلّى عنْ دراسةِ القانونِ ليعودَ إلى منزله المُطلِّ على نهر السين ويتفرّغُ نهائيّاً إلى عشقهِ الروحي وانغماسه الكاملِ في عالمِ الكتابة والابْداع الروائي، لكنّه في فترة الاحتلال الفرنسي لمصر قرّر أنْ يقومَ برحلةٍ نحو الشرق، يقولُ صديقُه ومرافقُه في الرحلةِ الأديب الفرنسي جيفري وول: إنّ رحلة فلوبير إلى مصر قدْ غيّرت حياة فلوبير تماماً، فقدْ كانت الرحلة نبْعاً ثريّاً وإلهاماً لأشهرِ أعماله، فقدْ زارَ فلوبير مدينة الأسكندرية التي عشقها كثيراً وهام بها لأنها تُشْبه من وجهة نظره مدن أوروبا، فتسكّع في شوارعها وزار دار الأوبرا والقصور التاريخيّة هناك، ثمّ غادرها إلى القاهرة وزار الأهرامات والآثار العتيقة وكتب كلّ ذلك في كتبٍ خصّصها لأدبِ الرحلات، وفي هذه الكتب نجدُ فلوبير قدْ وقعَ في أسرِ أفكار معاصره الناقد الفرنسي هايبولت تين ونظرته الاستعلائيّة والعنصريّة تجاه الشرق!!.
لقدْ جاءت رواياتُه وأعمالُه الأدبيّة مليئةً بالواقع وتدورُ حولَ أوجاع الناس اليوميّة وأحلامهم وتطلعاتهم ومعاناتهم في السعيِ وراءَ أحلامهم وطموحاتهم، فكانت الكتابة بالنسبة له مغامرة جريئة يمارسُ من خلالها حبّه وكرهه للأشياء، لقدْ عُرفت كتاباتُه بالتأمّلات الإنسانيّة، فكانَ يتركُ العنانَ لمشاعره لتتحكّم في قلمه أثناء الكتابة بكلِّ أريحيّةٍ وانطلاقة، لقدْ ظلّ يبحثُ عن الجودةِ التامّةِ في أعماله ويُقارنها مع عظماءِ الأدب الأوروبي، فكان يُردّدُ كثيراً: ولكمْ يحتقرُ الانسانُ نفسَه عندما يرفع عينيه أكثر نحو الأدباء العظماء.
لقد جرّب فلوبير الكتابة منذ طفولته ونشأته الأولى، ففي الثامنة من عمره بدأ يكتبُ روايةً صغيرةً تدور فكرتها عن الموت الذي يطارده وهو يتجوّلُ بين أروقة المستشفى الذي يعملُ فيه والدُه، فكان أوّلُ ما تفتّحت عليه عيناه في تلك الفترة هو صراع البشر مع وحشٍ خفيٍّ اسمه الموت، يقولُ الأستاذ علي حسين الذي أبدعَ في كتابته عنْ هذا الروائيِّ الكبير:
لقد أرادَ فلوبيرُ في تلك التجربةِ المُبكِّرةِ أنْ يرسمَ منظراً أدبيّاً لهذه الجُثث، فكتبَ أولى قصصَه التي أغضبتْ والدَه كثيراً حتى سخِر منها ومنه، وليته اكتفى بذلك، بلْ إنّه أراد أنْ يقتلَ هذه الموهبة المتفجّرة منذ بدايتها، فأخذ أوراق الرواية فمزّقها وجعلها طعاماً لنار المدفأة، لقدْ أثارَ هذا المنظر براءة الطفل التوّاقة إلى عالم القلم والكتابة، فسالتْ أدمعُ البراءةِ على وجنتيه الرطبتين منْ قسوة والده وردّة فعله الجاحفة!، لكنّ الأبَ الطبيب عادت لروحه رحمة الأُبوّة، فربَتَ على كتفه قائلاً له: الكتابة مهنة الضعفاءِ والمجانين يا ولدي!، أمّا أنت فلا بدّ أنْ تكون طبيباً جراحاً مشهوراً مثل والدك، أنت خُلِقت لتُمْسِكَ المِشْرط لا القلم!، هكذا اعتقد الأبُ القاسي أنّ المجدَ ينحصرُ في مجالِ الطبِّ فقط، فكانَ خيالُه ضئيلاً لا يتجاوزُ شهرته داخلَ باريس أو فرنسا فقط، أمّا الطفل الصغير فقدْ كان حلمُه أنْ تتجاوزَ شهرته فرنسا ليُخلّدَ نفسه ويصبحَ أحدَ أشهر الروائيين في تاريخ الإنسانيّة الحديث!!.
لقدْ تعلّق الطفلُ الموهوبُ بكاتبه المفضّل فيكتور هوجو صاحب رواية البؤساء، فعندما بلغ العاشرة من عمره كتب رواية قصيرة متأثراً برواية هوجو الشهيرة أحدب نوتردام، وعندما قُدّر لفلوبير أنْ يزورَ هوجو في بيته كتب لوالدته فرحاً: لقد استمتعتُ أخيراً برؤية هوجو عنْ قرب، فحدّقتُ له مشدوهاً كما أُحدّقُ في إناءٍ مملوءٍ بملايين الجواهر الكريمة، هكذا كانَ ينظرُ فلوبير إلى أستاذه وكاتبه المفضل، ولذا كان فلوبير بعيداً عنْ فكرِ طبقته البرجوازيّة التي غرقتْ حينها باهتماماتِ المالِ والموضةِ والثراء!،
لقدْ كانَ عميقاً في نظرته إلى الحياة، ولذا جاءت أعمالُه الروائيّة تصويراً صادقاً لمجتمعه الباريسي الذي كان غارقاً في السطحيّة، فبعدَ أن اشترى والدُه قصراً كبيراً يُطلُّ على نهر السين، كان المنظرُ ساحراً لأنْ يُحفّزَ خيالَ الكاتب ويجعله يتفنّنُ في استعراض مواهبه الإبداعيّة، لقدْ كانَ فلوبير منهمكاً في الكتابة لدرجةِ الإدمانِ والشغف القهري في مسكِ القلم!!، فكانَ يكتبُ طوال 24 ساعة متواصلة يومياً، لقدْ أحبَّ فلوبير مهنة الكتابة إلى درجة أنه أطلقَ على نفسه لقبَ الرجل القلم، وإلى جانبِ عشقه للكتابة كانَ يمارسُ رياضة ركوب الخيل، وما كان يترجّلُ عنْ ظهرِ حصانه إلّا إذا لمعتْ في ذهنه فكرة جديدة فيسارعُ إلى تدوينها على الورقِ حتى لا تضيع منه!!، ولكنّنا عندما نقارنُ إنتاج فلوبير على مدار حياته بإنتاج أقرانه في عصره نجدْه أقلَّ إنتاجيّة عنهم لأنّه كان مفرطاً في العناية بجودة الأسلوب، ولهذا أطلق الكاتبُ الإنجليزىُّ والناقدُ الفنىُّ والتر باتر عليه لقب شهيد الأسلوب!.
لقدْ كانَ بودليرُ يُمزّقُ كثيراً مسودّات رواياته لأنّ إحساسَه المُفْرطُ تجاه الابداعِ يجعله غير راضٍ عمّا يكتبه!!، فكان منْ عادته أنْ يتلوَ الجُمَلَ والعبارات بأعْلى صوته منْ شُرْفة بيتِه لكي يَختبرَ وقْعَها الموسيقي!، وكانَ يُعاني الأمرّين منْ صياغةِ الجملة الواحدة وتكادُ مسودّاته تتمزّقُ منْ فرْطِ المحذوف والإضافات والتعديل!، فعندما انتهى منْ كتابة روايته (البائسون) سرعانَ ما قذفَ بأوراقِها من النافذة وهو يصيحُ ويبكي كالمجنون: هُرَاء، هُرَاء، كلّ ما أكتبه هراء، متى تصبح يا فلوبير كاتباً حقيقيّاً!!.
لقدْ أخذَ فلوبيرُ يتأمّلُ الشخصيّات الاجتماعيّة منْ حوله ويُدقّقُ الفحصَ فيها علّهُ يجدُ شخصيّةً مثيرةً للكتابةِ عنْها، فظلّ يبحثُ هنا وهناك حتّى وجدَ امرأةً باريسيّةً غريبة الأطوار، سيدةً لديها شغف في المغامرة والجراءة السخيفة، وهنا بدأ الكاتبُ الفرنسيُّ يُشمّرُ عنْ ساعدِه ويستعدُّ لكتابةِ روايةٍ عنْ شخصيّتها المضطربة تصلُ به إلى مصافِّ الكُتّاب الكبارِ في فرنسا، لقدْ أسمى روايته مدام بوفاري توريةً عن الاسم الحقيقي لهذه المرأة، وبذلك دشّنَ أدباً جديداً في فضاء الثقافة الأوروبية أطلقَ عليه الأدبَ المكشوف حينها، فوصف تلك المرأة الساذجة أنّها توهّمت غباءً بأنْها ستتزوجُ من فارسِ الأحلامِ أو الشابِّ الثريِّ الوسيمِ الذي يخطفها على الحصانِ الأبيض ثم يطيرُ بها في رحلةٍ ممتعةٍ حول العالم لتتفاجأ في واقعها أنّها تزوّجت منْ رجُلٍ لا همّ له إلّا الأكل بشراهةٍ ثم النوم العميق!!،
لقد صوّر فلوبير حياةَ هذه السيّدة الطائشة باحترافيّة الكاتب المبدع عندما قرّرتْ أنْ تفتحَ البابَ المُظْلمَ لحياتِها البائسةِ الجديدة، فصوّرها ببراعة الفنّان وهي تُسْرفُ بالإنفاقِ على ملذّاتها والحفلاتِ الصّاخبةِ دونَ عِلْمِ زوجها، لقدْ وصلَ بها الفجورُ إلى الإغراقِ الفاحشِ في ممارسة الرذيلة حتّى وصلتْ حياتها إلى مستوى المللِ من الحياة، أو إلى مرحلة اليأسِ من الاستمرارِ في العيشِ ومقابلةِ الناسِ حتّى قرّرت أخيراً أنْ تنتحرَ بجرعةٍ مميتةٍ منْ مادّةِ الزرنيخ لتُنْهي حياتها البائسة!!.
لقدْ كتبَ فلوبير رائعته (مدام بوفاري) بمشقةٍ وعنايةٍ شديدةٍ في اختيار الألفاظ وترتيب المعاني حتى تصلَ الدهشة إلى أعلى مستوياتها عند المتلقّي، وبالفعلِ نجحَ الكاتبُ الشابُّ بالبلوغ إلى هدفه بعدَ جهدٍ وعملٍ صعبٍ دامَ أكثر منْ خمسِ سنواتٍ متواصلة، وهنا يبدو أنّ فلوبير قدْ مهّد الطريق للأدباء بعده لكتابةِ الأدبِ الواقعي الذي لمْ يلتزم به نفسُه بصورةٍ تامّة، بلْ كان يمزجُه مع الأسلوبِ الرومانسي حتّى يُعْطي أعماله الفنيّة أبعاداً من الإنسانيّة في نفوس القرّاء، لقدْ ظلّ يعملُ يوميّاً بصورة مكثّفة ولمدّةِ خمس سنوات حتّى أنهى روايته الشهيرة، لقدْ كانَ يكتبُ بدقّةٍ متناهيةٍ عندما كانَ يتفحّصُ كلَّ شخصيّة ٍ في الروايةِ ويدرسها دراسة تكادُ تقتربُ من البحوثِ والدراساتِ العلميّة!، فعندما أرادَ أنْ يضعَ نهايةَ بطلة الرواية وهي تتناولُ مادةَ الزرنيخ السامّة، قامَ فلوبيرُ بدراسة هذه المادّة دراسة علميّة جادّة، فكانَ يقولُ عنْ إحْساسِه الفنّيّ وشعوره الروائي: لقدْ كنتُ أحسُّ بطعمِ الزرنيخ في فمي، وقدْ عرّضني ذلك إلى آلامٍ مريرةٍ في المعدة، وأصابني هذا التصوّرُ بسوءِ الهضم الذي رافقني بعدَ ذلك طيلة حياتي!!،
لقدْ كانَ فلوبيرُ يتقمّصُ شخصيّات روايته بصورةٍ عجيبةٍ يُصاحبها إحساسٌ فنيٌّ لا يُمْكن تخيّله، فكان يقولُ لصديقه: لقدْ توقّفتُ عن الكتابة أكثر منْ مرّةٍ لأنّني لمْ أستطعْ مغالبة دموعي أثناء الكتابة!!،
يقولُ الأستاذُ علي حسين عنْ ذلك: لمْ يكتفِ فلوبير بشهاداتِ الجيران ومعارف السيّدة الحقيقيّة للرواية، بلْ ذهبَ بنفسهِ الى القريةِ التي كانتْ تعيشُ فيها، وأخذَ يستطلعُ عنْ مجرياتِ الأحداثِ التي تتعلّقُ بتفاصيل حياة البطلة وكأنّه مُحقّقٌ في الجرائم الجنائيّة!
كما ذهبَ إلى كلّ الدوائر الحكوميّة ومراكز الشرطة التي أثبتت حادثة تسمّم البطلة، وعندما انتهى من الروايةِ كتبَ إلى أمّه: لمْ أكنْ أعرفُ أنّ الكتابة مرهقةٌ إلى هذه الدرجة!، لكنني أشعرُ الآن أنني انتهيت من كتابة عملٍ روائيٍّ عظيم، كما أنني لا أريدُ أنْ أعْرضهُ على هواةِ تحطيم المواهب، فقطْ سأذهبُ بالمخطوطة إلى الناشر!!، وبالفعلِ صدقتْ نبوءة الكاتب عنْ نفسه، وحقّق مجداً كبيراً في عالمِ الفنّ الروائي.
يقولُ الروائيُّ البيروفي الشهير ماريو فارغاس يوسا: مضى أكثر منْ مائتي عامٍ على ولادةِ فلوبير، وما زالَ الأسلوبُ الذي ابتدعه في كتابةِ الروايةِ حيّاً ومثمراً، وفي ظنّي أنّه سيبقى يافعاً ومتجدّداً طوالَ المائتي عام القادمة!!.