د. طارق بن محمد بن حزام
ليست الأزمات التي تعصف بالعالم الإسلامي اليوم أزماتٍ سياسية أو اقتصادية فحسب، بل هي -في عمقها الحقيقي- أزمات وعي، واختلال في ميزان الفهم، وانحراف عن المفاهيم الصحيحة التي قامت عليها العقيدة الإسلامية عبر تاريخها الطويل. وقد أجمع كثير من العلماء والمفكرين على أن جذور التطرف، بصوره العنيفة أو الفكرية، تعود في أصلها إلى انحرافٍ عقدي؛ يلبس أحيانًا لباس الغيرة على الدين، ويتخفَّى أحيانًا أخرى خلف شعارات التنوير والتحرُّر.
إن المراجعة النقدية للعقل العربي والإسلامي المعاصر لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة حضارية ملحَّة، بعد أن أصابت المجتمعات الإسلامية حالة من الركود والجمود، انعكست على الوعي العام، فأنتجت عقلًا يرضى بالواقع حينًا، أو يثور عليه بلا بصيرة حينًا آخر، وكلا المسارين لا يقل خطرًا عن الآخر.
العقيدة الصحيحة أمانٌ من الانحراف -كما يقرِّر أهل العلم- تمثِّل صمام الأمان الأول من الانزلاق في مسارات الغلو أو التفريط؛ فما ضل قومٌ في قديم الزمان أو حديثه إلا حين انحرفوا عن هذا الأصل، إما بتشددٍ يضيِّق ما وسَّعه الله، أو بتساهلٍ يفرغ الدين من مضمونه. وقد عبَّر بعض السلف عن هذه الحقيقة بقولهم: إن للشيطان في كل أمر نزغتين؛ إما إلى غلوٍّ ومجاوزة، أو إلى تفريطٍ وتقصير.
أما الطريق الوسط، الذي هو صراط الله المستقيم، فلم يكن يومًا طريق الأكثرية، بل طريق الثابتين على هدي الوحي، أولئك الذين جعلوا عقولهم خادمة للنص لا حاكمة عليه، ومدركين أن العقل -مهما بلغ- لا يستغني عن نور الوحي. فالعقول متفاوتة، متغيِّرة بتغيُّر الأحوال والظروف، وليس في الناس عقلٌ مطلق يُحتكم إليه عند الاختلاف، ولذلك كان الميزان العادل هو كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم.
حين يُقدَّم العقل على الوحي من أخطر أبواب الانحراف الفكري تقديمُ العقل والهوى والذوق الشخصي على النص الشرعي، ثم السعي إلى تأويل النصوص أو تحريفها لتتوافق مع الرغبات المسبقة. وهذا المسلك، وإن تزيَّن بشعارات «العقلانية» أو «التنوير»، كان ولا يزال من أعظم أسباب الضلال في تاريخ الفرق والأفكار المنحرفة.
فالتنوير الحقيقي لا يكون بفصل العقل عن الوحي، ولا بتحرير الإنسان من الدين، بل بإعمال العقل في فهم النص، والاهتداء بنوره، لا القفز فوقه أو مصادرته.
مسؤولية العلماء وواجب الحكمة في هذا المشهد المضطرب، تتعاظم مسؤولية العلماء والمتخصصين في العقيدة والدراسات الفكرية؛ فهم الأقدر على تشخيص الخلل، وبيان الحق، وتفكيك خطابات التطرف دون تهويل أو تهوين. وليس دورهم إثارة الفزع أو إعلان الهزيمة، بل الدعوة إلى الله على بصيرة، ورد الباطل بالحجة، والصبر على أذى الطريق؛ فالهداية بيد الله، والبلاغ أمانة.
والحكمة هنا ليست ضعفًا، بل وعيٌ عميق بطبيعة الصراع الفكري؛ إذ إن تفكيك خطاب الانحراف أبلغ أثرًا من مجرد مصادمته، وبيان الحق كفيل -في ذاته- بإزهاق الباطل، كما وعد الله تعالى.
التطرف والانحراف وجهان لعملة واحدة إن التطرف لا يقتصر على جماعات الغلو والتكفير، بل له وجه آخر لا يقل خطرًا، يتمثَّل في الدعوات التي تسعى إلى تفريغ الدين من مضمونه، أو نزع قدسيته باسم الحداثة والانفتاح. وكلا الاتجاهين يلتقيان في النتيجة ذاتها: إرباك الوعي، وتمزيق الهوية، وتهديد استقرار المجتمعات.
ولهذا تبرز الحاجة إلى خطاب عقدي متوازن، يُظهر وسطية الإسلام وعدله، ويصحح المفاهيم المغلوطة عن التسامح، دون تفريط في الثوابت أو مساومة على الأصول.
الخاتمة:
إن نبذ التطرف والانحراف لا يكون بالشعارات، ولا بالمعالجات الأمنية وحدها، بل بإحياء المعنى العميق للعقيدة، وإعادة الاعتبار للمنهج الوسطي الذي يجمع بين النص والعقل، وبين الثبات والتجديد، وبين الحزم والرحمة. فالإسلام لم يأتِ ليصنع أمةً غاضبة أو منسلخة، بل أمةً شاهدة، عادلة، متوازنة.. تعرف طريقها، وتمضي فيه بثقة وبصيرة.