وسام النجار
الطيران لم يكن يومًا مجرد وسيلة انتقال. منذ أن رفع الإنسان عينيه إلى الأعلى، فهم أن السماء ليست مكانًا بعيدًا، بل فكرة قريبة تنتظر من يجرؤ عليها.
كل حضارة عظيمة كان لها علاقتها الخاصة بالسماء: منها من قدّست النجوم، ومنها من درست الرياح، ومنها من آمنت أن المستقبل لا يُبنى على الأرض وحدها.
الطيران هو لحظة انتصار العقل على الخوف. هو قرار ألا نبقى أسرى لما نعرفه، بل إن نختبر ما لم نجرّبه بعد.
في جوهر الطيران ثلاث فلسفات كبرى: أولها: أن القوة ليست في الاندفاع، بل في التوازن. الطائرة لا تطير لأنها أقوى من الهواء، بل لأنها تفهمه. وكذلك الإنسان لا ينجح لأنه يصارع الواقع، بل لأنه يقرأه ويتحرك معه بذكاء.
ثانيها: أن كل رحلة هي سلسلة قرارات صغيرة. لا يوجد قرار واحد يصنع النجاح، بل آلاف التفاصيل التي لا يراها أحد، لكنها تصنع الفرق بين الوصول والضياع.
وثالثها: أن التكنولوجيا بلا إنسان واعٍ مجرد معدن صامت. القيمة الحقيقية ليست في الطائرة، بل في العقل الذي يقودها، والمنظومة التي تحميها، والرؤية التي أعطتها سببًا لتوجد.
العالم اليوم لا يقاس بعدد مطاراته فقط، بل بقدرة هذه المطارات على التفكير. لم تعد المسألة كم طائرة نملك، بل كيف نُدير، كيف نتنبأ، كيف نتعامل مع التعقيد دون أن نكسر التجربة الإنسانية.
المستقبل في الطيران ليس أسرع فقط، بل أذكى، ليس أكبر فقط، بل أعمق فهمًا للعلاقة بين الإنسان والآلة.
وحين تصبح السماء مشروع دولة، لا يكون الهدف أن نصل إلى مدن أكثر، بل إن نصل إلى مستوى جديد من الوعي، حيث كل رحلة تعكس احترامًا للوقت، وإيمانًا بالعلم، وثقة في الإنسان. وفي هذا المشهد الكبير، حين تتحول الرؤية إلى فعل، والطموح إلى منظومة، نقف بإجلال أمام من جعلوا السماء جزءًا من مستقبل الوطن.
سمو سيدي، أنتم لم تنظروا إلى الطيران كقطاع، بل كرسالة حضارية، وكنافذة يرى منها العالم صورة وطن يعرف ماذا يريد وإلى أين الوجهة. ثم يأتي بعد الرؤية.. التنفيذ.
معالي الوزير، أنتم حملتم هذه الرؤية إلى أرض الواقع، وبنيتم لها نظامًا، وحميتم تفاصيلها، وجعلتهما تمشي بثبات ووضوح.
بين رؤية تقود، وقيادة تنفّذ، يرتفع وطن.. لا في السماء فقط، بل في مكانته بين الأمم.