د. محمد بن عبدالله آل عمرو
في الذاكرة الشعبية للقرى، كما في ذاكرة الطفولة نفسها، مشاهد لا تُنسى، لا لأنها بطولية أو جميلة، بل لأنها كاشفة لطبيعة النفس البشرية حين تُستدرج إلى الصدام، من تلك المشاهد حكاية الصبية العائدين من المدارس مشيًا على الأقدام لمسافات طويلة، تتخللها مشاكسات ومضاربات، كثيرًا ما يكون وقودها كلمة واحدة، أو حركة صغيرة، أو استفزاز محسوب بدقة، حين يقف أشقاهم بينهم -وغالبًا الأكبر سنًا- قابضًا على حفنة تراب، ثم يفتح كفه متسائلًا بخبث «من ذي لبينة أمه؟» سؤال بسيط في ظاهره، لكنه مشحون بالإهانة والانتقاص، كفيل بأن يشعل نارًا لا تُطفأ إلا بالأيدي والدموع.
ما إن يضرب أحدهم تلك الكف، فيتناثر التراب في وجه الآخر، حتى تبدأ المعركة، ويتحلّق الصبية حولها، لا لإيقافها، بل للتشجيع والمشاهدة، حتى يصل الطرفان إلى حد الإعياء، والعجيب أن ذلك المحرّش الأول ينزوي جانبا فور اشتعال الاشتباك، لا يدافع عن أحد، ولا يتحمل تبعة فعلته، تمامًا كما في تلك الحكايات التي يُصوَّر فيها الشيطان محرّكًا للفتنة، ثم يجلس جانبا يتفرج على الخراب.
هذه الصورة البسيطة من حياة الصغار تتكرر اليوم، بصورة أشد قسوة وتعقيدًا، في حياة الكبار، لكن بأدوات أكثر تطورًا وأوسع تأثيرًا، فاليوم لم تعد حفنة التراب تُرمى باليد، بل تُقذف بالكلمات، والتغريدات، والمقاطع المقتطعة، والحسابات الوهمية الممولة، التي تتقن فن التحريش وبث السموم، ثم تختفي خلف أسماء مستعارة، أو مستأجرة، أو أعلام زائفة، أو شعارات براقة.
تلعب هذه الحسابات الدور نفسه: تستفز، تشكك، تسيء، تخلط الحقائق بالأكاذيب، وتدفع أبناء الوطن الواحد، أو شعبين جارين، أو شقيقين، أو صديقين، إلى التلاسن والتناحر، فتتصاعد حدة الخلاف، ويتحول من اختلاف طبيعي في الرؤى أو المصالح إلى صراع مفتوح تغذيه العواطف، ويغذيه الغضب، ويستثمره من لا يريد خيرًا لأحد. وهنا يتحقق المثل الشعبي العميق «تحفرها الفيران وتطيح فيها الثيران» فصغار المحرّشين يحفرون حفرة الفتنة، وكبار العقلاء والناس الأبرياء هم من يسقطون فيها، ويدفعون ثمنها.
في مثل هذه اللحظات، لا يكون الرهان الحقيقي على كثرة الردود، ولا على ارتفاع الصوت، ولا على حدة الشتائم المضادة، بل على حضور الحكماء والمؤثرين الذين يدركون خطورة الانجرار وراء هذا النوع من المحتوى. فالحكيم لا يعنيه أن ينتصر في معركة كلامية عابرة، بقدر ما يعنيه ألا يخسر وطنه، أو نسيجه الاجتماعي، أو علاقات الشعوب ببعضها.
دور الحكماء اليوم مضاعف، لأن منصات التواصل جعلت الكلمة أسرع من الفكرة، والانفعال أسرع من التروي. ومن هنا تأتي مسؤوليتهم في:
أولًا: عدم الاستجابة المباشرة للاستفزاز؛ فالصمت أحيانًا ليس ضعفًا، بل وعيٌ بأن الخصم لا يستحق أن يُمنح منصة إضافية.
ثانيًا: تفكيك خطاب التحريش بهدوء، عبر كشف تناقضاته، وفضح كذبه، دون الوقوع في فخه الأخلاقي.
ثالثًا: إعادة الخلاف إلى حجمه الطبيعي، باعتباره اختلاف مصالح أو وجهات نظر، لا معركة وجود أو كرامة.
رابعًا: فتح المجال لأصحاب الشأن وأصحاب القرار، من دبلوماسيين، ومسؤولين، ومؤسسات، ليعالجوا الخلاف بالوسائل المشروعة والحلول العقلانية، بعيدًا عن ضغط الشارع الإلكتروني وغوغائيته.
إن أخطر ما في الحسابات الوهمية، أو المستأجرة، المحرّشة أنها لا تتحمل نتائج ما تصنع، ولا تدفع ثمن الأزمات المعنوية، ولا آثارها الواقعية، بينما يتحملها الناس والدول والعلاقات التاريخية، ولذلك، فإن إفشال مشروعها لا يكون بمزيد من الوقود، بل بسحب الأكسجين عنها: تجاهلها، تحجيمها، وعدم الانجرار إلى مستنقعها.
ختامًا، كما تبين أن ذلك السؤال الساذج في مرحلة الطفولة، لم يكن يستحق قبضة ولا دمعة، علينا اليوم أن نتعلم -أفرادًا ومجتمعات- أن كثيرًا مما يُطرح في الفضاء الرقمي لا يستحق أن يتحول إلى صراع حقيقي، فالحكمة ليست في أن تضرب الكف المليئة بالتراب، بل في أن تترك صاحبها واقفًا وحده يقلب التراب في كفه، وقد سقط قناعه، وبان قصده.