أحمد آدم
مطبات صعبة تعرضت لها أوروبا بداية من العام الماضي ولكنها أدت لتغييرات كبيرة في مواقف أوروبا بيمينها المتطرف في علاقتها بترامب وفوضاه المثيرة للجدل، وجعلتنا نشهد نهاية زمن الوصاية الأمريكية عليها.
المطب الأول: في يوم الخميس الموافق الرابع من شهر ديسمبر2025 حيث تم الاعلان عن وثيقة استراتيجية للأمن القومي الأمريكي تمحورت الوثيقة والتي أصدرتها إدارة الرئيس دونالد ترامب حول مبدأ «أمريكا أولاً» وتضمنت تحولاً جذرياً في العقيدة الاستراتيجية لواشنطن من قائد للعالم إلى قوة تسعى لـ«تحصين القلعة الداخلية» فترغب أمريكا في الهيمنة على نصف الكرة الغربي، حيث حددت الوثيقة أن الأولوية القصوى هي «تأمين الحدود» والهيمنة على الأمريكيتين (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ودول أمريكا اللاتينية) كمنطقة اقتصادية وأمنية حصرية. الوثيقة أيضا تصف الاتحاد الأوروبي والناتو بأنهم «عبء استنزافي» على الخزانة الأمريكية، وتؤكد على عدم وجود خطط لتوسيع حلف الناتو مما يعزز سيناريو «عقد رابع بلا أوروبا موحدة».
كما وجهت الوثيقة انتقادات لاذعة للحلفاء الأوروبيين مشيرة إلى أن أوروبا تواجه «زوالاً حضارياً» اقتصادياً وثقافياً ودعت دول الناتو إلى تحمل المزيد من الأعباء المالية والدفاعية الخاصة بها. كما دعت إلى «إعادة الاستقرار الاستراتيجي» مع روسيا وإنهاء الحرب في أوكرانيا بسرعة.
كما تعلن الوثيقة صراحةً دعم واشنطن للأحزاب الوطنية القومية (أحزاب اليمين المتطرف) في جميع أنحاء القارة لتصحيح مسار أوروبا. الانسحاب التكتيكي والدفع نحو التفكك: تشير الوثيقة ضمناً إلى أن الالتزامات الأوروبية لم تعد أولوية مما يترك القارة تواجه تحدياتها الأمنية والاجتماعية بمفردها.
هذا التخلي كان متوقعا فقد سبق وأيد دونالد ترامب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هذا بخلاف أن لديه اعتقادا راسخا بأن الاتحاد الأوروبي تم تكوينه في الأساس لمحاربة أمريكا اقتصاديًّا.
المطب الثاني: تقاعس ترامب عن ردع روسيا فتركها تعربد وتسبب قلقا بالغا للدول الأوروبية المجاورة؛ كبولندا ودول أوروبا الشرقية، كما أن ترامب ربط زيادة الضغط الأمريكي على روسيا بضرورة قيام أوروبا بفرض عقوبات قاسية على الدول الكبرى التي تواصل شراء النفط الروسي مثل الصين والهند.
وهذا الشرط وضع أوروبا في «ورطة استراتيجية معقدة» حيث تضطر للاختيار بين إغضاب واشنطن أو الإضرار بعلاقاتها التجارية مع بكين ونيودلهي. والواقع يؤكد أن روسيا تستغل الخلافات السياسية داخل أوروبا لدعم الأحزاب اليمينية المتطرفة أو الشعبوية التي تتشكك في مؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
كما تستخدم موسكو وسائل إعلامها مثل قناتي «روسيا اليوم» و»سبوتنيك» لتقديم وجهات نظرها حول الأحداث العالمية وتشكيل الرأي العام الأوروبي بما يخدم مصالحها. كما تعتمد على المبادرات الثقافية والتعليمية لتعزيز جاذبيتها. وفي الوقت الذي تتعرض فيه دول مثل بولندا وأستونيا ودول البلطيق لتوغلات عسكرية روسية جوية مما يثير قلقها ويدفعها لتعزيز دفاعاتها نجد أن الدبلوماسية الروسية تسعى في الوقت ذاته لإقناع هذه الدول أو غيرها بوجود فرصة للتعاون.
هذا التناقض يُظهر أن روسيا لا تعتمد على أسلوب واحد في سياستها الخارجية بل تستخدم أسلوب العصا والجزرة. لتغري بعض الدول الأوروبية وخصوصا الشرقية بالعودة لتعزيز علاقاتها مع روسيا وإبرام اتفاقيات أمنية أو دفاعية مستقلة عن الناتو مما قد يُضعف التماسك الأوروبي ويفتح الباب أمام نفوذ روسي أكبر بل ويمهد لتفكك الناتو أيضا.
المطب الثالث: تمثل في الانتحار السياسي الذي يمارسه تكنوقراط بروكسل عبر قراراتهم المنفصلة عن الواقع والذي قد يكون هو المعول الأسرع في هدم هذا الكيان من الداخل. فما رأيناه في شوارع بروكسل وباريس من احتجاجات حاشدة مثلت «زلزال اجتماعي» ضرب أركان الاتحاد الأوروبي. فمتخذو القرار التكنوقراط في الاتحاد الأوروبي اخطأوا في توقيت الإعلان عن اتفاقية ميركوسور في هذا التوقيت (ديسمبر 2025) وهي سقطة سياسية كبرى.
المشهد لا يقتصر على فرنسا وبلجيكا فقط فالمزارعون في دول إيطاليا وألمانيا وإسبانيا انضموا أيضا وبشكل فعلى للتحركات وكانت هناك دعوات لإضرابات كبرى في البرتغال أيضاً. والقاسم المشترك أن كل هذه الدول تعاني من «كماشة» مزدوجة ضغوط مالية داخلية (تقشف) وضغوط خارجية (منافسة عالمية غير عادلة).
هذا الوضع الخطير أدى لتأجيل الاتفاقية في اللحظات الأخيرة تحت ضغط فرنسا وإيطاليا وهو اعتراف بالهزيمة وتأكيد على أن صانع القرار قد أصبح معزولاً عن نبض الشارع. وأصبح الاتحاد الأوروبي يواجه الآن معضلة فالتراجع عن اتفاقياته الدولية (ميركوسور) سيغضب شركاءه العالميين. هذه المظاهرات أدت إلى الزيادة من الفجوة بين «النخبة في بروكسل» وبين «المواطن العادي» في الأرياف والمدن. كما كانت الوقود المثالي لليمين المتطرف الذي يطالب بالخروج من الاتحاد الأوروبي وتفكيكه وأصبحنا الآن أمام «شتاء ساخن» جداً في أوروبا. فالاتحاد الأوروبي لم يعد يواجه مخاطر اقتصادية فقط بل يواجه أزمة هوية و»ثورة شعبية» ضد السياسات المركزية.
المطب الرابع: رغبة أمريكا في الهيمنة على نصف الكرة الغربي حيث بات الهدف المعلن لترامب أن الأولوية القصوى هي تأمين الحدود» والهيمنة على الأمريكيتين (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ودول أمريكا اللاتينية) كمنطقة اقتصادية وأمنية حصرية بعيداً عن نفوذ المحور (الصيني-الروسي). أدت بترامب الا ينتظر طويلا كعادته فقد صحونا صباح السبت الموافق 3 من يناير الجاري على قيام قوات خاصة أمريكية بعملية خاطفة أدت لـ اعتقال نيكولاس مادورو الرئيس الفنزويلي من مكان اقامته السري بكراكاس ونقله إلى نيويورك لمواجهة تهم «الإرهاب المرتبط بالمخدرات»، انتقل ترامب فعلياً وبشكل سريع من «الوعيد» إلى «التنفيذ»، وهو ما جعل نبرته تجاه دول الجوار تتصاعد بشكل غير مسبوق.
أما عن عودة الحديث عن جرينلاند ورغبة ترامب في أن تتنازل عنها الدنمارك لأمريكا فتؤكد أن ترامب لا يفكر فقط في الأمن بل في «الجغرافيا الاقتصادية» للمستقبل حيث الممرات الملاحية الجديدة في القطب الشمالي والثروات المعدنية الهائلة مما يجعل القارة الأمريكية الشمالية «قلعة حصينة» ومكتفية ذاتياً.
وهو ما أدى للعودة بالمطالبة بجرينلاند وهي رسالة بأن أمريكا لم تعد تعترف بحدود الحلفاء إذا تعارضت مع مصالحها. في البداية، قوبلت فكرة ترامب بشراء جرينلاند (وهي جزء شبه مستقل من الدنمارك) بالرفض التام والسخرية من قبل أوروبا، لكن التهديد اللاحق بفرض بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية التي تعارض خطته أدى إلى رد فعل أوروبي أكثر حزماً وموحداً، وصل إلى حد التهديد بـحرب تجارية و تصاعدت الأزمة التجارية المحتملة بشكل كبير: فقد عقد الاتحاد الأوروبي اجتماعات طارئة لوضع استراتيجية رد جماعية. وأكدت الدول الأوروبية بما في ذلك فرنسا وإيطاليا على ضرورة مواجهة تهديدات ترامب ورفضها للابتزاز التجاري وهذا يعكس وبوضوح فشل الدبلوماسية الاقتصادية التي كان يراهن عليها ترامب لاختراق السوق الأوروبية منفردا.
كما لوحت أوروبا بتفعيل «آلية مكافحة الإكراه» التجارية الخاصة بها، والتي تسمح بفرض رسوم جمركية مضادة تصل قيمتها إلى 93 مليار يورو على السلع الأمريكية. ثم صوت البرلمان الأوروبي على تعليق الموافقة الرسمية على اتفاق تجاري كان قد تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة سابقاً في خطوة لإظهار الرفض القاطع للضغوط الأمريكية. باختصار حولت تهديدات ترامب أزمة دبلوماسية وُصفت بالسخيفة في البداية إلى مواجهة تجارية جادة ما دفع أوروبا إلى توحيد صفوفها وإعداد رد حازم ومتبادل بالمثل.
وفي النهاية أعلن ترامب تراجعه عن التهديدات بالتعريفات الجمركية بعد التلويح الأوروبي بالرد التجاري القوي. هذا التراجع لم يرمم الثقة بل زاد من قناعة الأوروبيين بأن أمريكا أصبحت حليفاً لا يمكن التنبؤ به.
تصدع التحالف مع اليمين المتطرف: بعد سنوات من الدعم المتبادل بدأت الأحزاب اليمينية القومية في أوروبا بالابتعاد عن ترامب بسبب شعورها بالتهديد المباشر لسيادتها الوطنية. فوصف زعماء يمينيون بارزون مثل جوردان بارديلا (فرنسا) وأليس فايدل (ألمانيا) محاولات ترامب للسيطرة على غرينلاند بأنها «ابتزاز تجاري» و»تدخل في الشؤون الداخلية». كما صرحت أليس فايدل (حزب البديل من أجل ألمانيا) بأن ترامب «انتهك وعداً أساسياً بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى» بينما وصف حلفاء سابقون مثل نايجل فاراج تحركات ترامب بأنها عمل عدائي.
جرينلاند كانت نقطة فاصلة فأوروبا اليوم لم تعد «العجوز الضعيفة» بل هي في حالة «استنفار سيادي « واليمين المتطرف الذي كان يأمل ترامب أن يكون «طابوره الخامس» لتفكيك الاتحاد الأوروبي أصبح الآن هو الأكثر تشدداً في حماية «الأرض الأوروبية» من الأطماع الأمريكية.
مستقبل القارة العجوز:
في ظل هذه الأحداث الواقع يؤكد أن:
* أوروبا الغربية (بقيادة فرنسا وألمانيا) أدركت أن «المظلة الأمريكية» لم تعد مجانية ولا مضمونة. فنرى الآن بذور تحالف اقتصادي صلب بعيداً عن الهياكل التقليدية المترهلة للاتحاد الأوروبي فهذا القطب بدأ يبحث عن مصلحته المباشرة؛ لذا رأينا كيف بدأت القنوات الدبلوماسية في باريس وبرلين تنفتح على بكين بشكل غير مسبوق لتأمين سلاسل التوريد بعيداً عن تهديدات ترامب الجمركية. فأوروبا الغربية ترى في الصين «الشريك العقلاني» الذي يبحث عن التجارة لا عن «الابتزاز الجغرافي» كما يفعل ترامب في جرينلاند.
** وموسكو تعرض الآن «أمناً طاقياً» واتفاقيات عدم اعتداء بضمانات صينية مستغلةً انسحاب ترامب التدريجي من التزامات الناتو (وفق وثيقته الاستراتيجية لعام 2026). وهو ما يمكن أن يحفز دول أوروبا الشرقية وتجد نفسها مضطرة للقبول بـ«منطقة نفوذ روسية» هادئة لتجنب صراع عسكري لن يأتي فيه الأمريكيون لنجدتهم. هذا يخلق بالفعل «قطباً معزولاً» يؤمن حدود روسيا ويضمن لأوروبا الشرقية البقاء خارج أتون الحرب.
*** وبما أن ترامب وضع عينه على جرينلاند فإن أوروبا (خاصة الدول الاسكندنافية) ستجد نفسها في «خط المواجهة الأول وبالتالي فقد نشهد «عسكرة» للقطب الشمالي حيث تحاول أوروبا الغربية منع أمريكا من السيطرة الكاملة على ممرات التجارة الجديدة التي ستنشأ مع ذوبان الجليد وهي الممرات التي تربط أوروبا بالصين مباشرة دون الحاجة للمرور عبر مناطق النفوذ الأمريكي. فهذا ليس مجرد «خلاف حدودي»، بل هو صراع على «طريق الحرير القطبي» الذي سيربط أوروبا بالصين مباشرة بعيداً عن الرقابة الأمريكية.
**** ورأينا في الأيام الماضية كيف بدأت بريطانيا وفرنسا قيادة «ائتلاف الراغبين» الأوروبي لتوفير ضمانات أمنية للقارة تعويضاً عن تراجع الدور الأمريكي في الناتو وانضمام إيطاليا وإسبانيا وسويسرا والدول الاسكندنافية لهذا القطب يحوله من مجرد اتحاد جمركي إلى كتلة جيوسياسية تسيطر على شمال وجنوب القارة وممراتها الحيوية وسويسرا بمركزها المالي ستلعب دور «المخزن الآمن» للثروات الأوروبية الهاربة من تقلبات الدولار «الترامبي والدول الاسكندنافية هي الآن «خط الدفاع الأول» ضد أطماع ترامب في القطب الشمالي وجرينلاند. وتكاتفها مع القطب الغربي يحول المنطقة من ساحة نفوذ أمريكي إلى حصن سيادي أوروبي.
وهذا القطب الغربي يمتلك ميزة كبرى وهي التكامل فيجمع بين التكنولوجيا الألمانية والقوة النووية والدبلوماسية الفرنسية والمركز المالي السويسري والخبرة الاستخباراتية البريطانية مع القوة التصنيعية الإسبانية والإيطالية وهذا القطب سيشكل «سوقاً موحدة» عملاقة تتجاوز تعقيدات بروكسل البيروقراطية القديمة، وبالتالي فأوروبا لم تعد تابعة بل هي قطب «غربي» مستقل تقوده الثلاثية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) ومدعوم بدول الثقل الجنوبي والشمالي.
كما أن الانفصال النفسي عن أمريكا هو التحول الأهم فلم يعد الأوروبيون ينتظرون الحماية من البيت الأبيض بل بدأوا في بناء قلعتهم الخاصة وهذا القطب سيحدد مصلحته ببراغماتية تجارة مع الصين وهدوء (عبر العصا والجزرة) مع روسيا لتأمين الحدود الشرقية.
وضعا في الاعتبار: إذا بدأت دول مثل ألمانيا وفرنسا في إبرام صفقات منفردة مع الصين فقد نشهد ظهور «يورو رقمي» خاص بدول المركز أو عودة تدريجية للعملات الوطنية بصبغة تكنولوجية لتؤمن دول أوروبا الغربية مصالحها بعيداً عن عبء الدول الضعيفة في الاتحاد الأوروبي. كما أن أوروبا الغربية أدركت أن الاعتماد على «سيليكون فالي» (جوجل، إكس، مايكروسوفت) هو ثغرة أمنية في ظل فوضى ترامب فتوجه أوروبا الان لبناء سحابة سيادية أوروبية وبنية تحتية للاتصالات بعيدة عن الأقمار الصناعية الأمريكية (ستارلينك وغيرها).
هذا الاستقلال التقني هو الذي سيعطي القطب الأوروبي الغربي القدرة على أن يكون منفرداً ومحمياً اليمين المتطرف الأوروبي الذي تحول عن ترامب سيبدأ في تبني قومية أوروبية وهذا يعني أننا قد نرى جيشاً أوروبياً موحداً فعلياً خلال عام 2026 ليس لحماية العالم بل لحماية «القلعة الأوروبية» فقط. مع ضرورة الانتباه لتصدير الفوضى من امريكا اللاتينية: فالحرب الواسعة على عصابات المخدرات في الداخل الأمريكي وتشديد الرقابة الأمريكية على الحدود والموانئ وزيادة العزل الداخلي (كما في استراتيجية ترامب) سيؤدي لفقدان اباطرة المخدرات في امريكا اللاتينية للسوق الأمريكية وهي أكبر أسواقهم وهو ما سيدفعهم للتوجه نحو أسواق بديلة ضخمة ذات قدرة شرائية عالية وهي متوفرة في أوروبا كما أن هناك نقل لصناعة المخدرات سيتم من دول أمريكا اللاتينية إلى دول بعينها في أوروبا تتوفر فيها تزايد العمالة المهاجرة من أمريكا اللاتينية مما يوفر شبكات لوجستية وبشرية مألوفة لأباطرة المخدرات.
وهذا يمثل تصديرًا للفوضى حيث يستنزف الأمن الأوروبي الداخلي ويفاقم من تدهور أوضاع أوروبا من خلال
* تآكل السلام الاجتماعي حيث ستزيد الجريمة المنظمة ويتفشى الإدمان وتورط للجاليات المهاجر مما يُنهك الأنظمة الصحية والأمنية الأوروبية.
** خطة اليمين المتطرف: خطة الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تستهدف عمليات تهجير واسعة للمهاجرين مع دعم رقابة الحدود للدول الواقعة على المحيط الاطلسي للحد من الهجرة الشرعية. هذا أفضل سيناريو يمكن أن يحدث للقارة الأوروبية فيجب أن تشكل أوروبا كقطب عالمي منفرد ومستقل استراتيجياً حيث تخلصت فعلا من عباءة التبعية المطلقة لواشنطن بعد «فوضى ترامب» وأزمة جرينلاند التي مست السيادة الأوروبية في الصميم. هذا القطب الجديد يتكون من «قلب نابض» يضم بريطانيا وفرنسا وألمانيا ومعهم إيطاليا وإسبانيا وسويسرا والدول الاسكندنافية مشكلين كتلة اقتصادية ودفاعية صلبة تتجاوز بيروقراطية الاتحاد الأوروبي القديم. وبينما تنكفئ أوروبا الغربية على تأمين نفسها تكنولوجياً ومصرفياً بعيداً عن هيمنة الدولار تبرز ملامح «قطب معزول» في أوروبا الشرقية يؤمن حدوده مع روسيا عبر معادلة «العصا والجزرة» مما يضمن هدوء الجبهة الشرقية. هذا التقسيم الجديد للعالم ينهي حقبة «العولمة» ليدخلنا في حقبة «الأقطاب المعزولة»، حيث يسود كل قطب في منطقته الجغرافية دون تدخل من الآخرين.
لتبدأ القارة في تحديد مصالحها ببراغماتية عالية منفتحة على الصين كشريك تجاري عقلاني وباحثة عن تحالفات طاقية مستدامة مع محاور في دول أخرى لتصبح أوروبا «حصناً سيادياً» يرفض أن يكون ساحة خلفية لصراعات القوى العظمى أو عهدة في يد «النسر الأمريكي» المنعزل.