د. عيد بن مسعود الجهني
العالم اليوم بأسره يعيش أحداثاً مفصلية توضح بجلاء هشاشة النظام الدولي، النزاعات والصراعات والحروب والسباق العسكري والذري المجنون خاصة بين الولايات المتحدة وروسيا التي تشن حربا ضروسا على أوكرانيا منذ عدة سنوات ليصبح للقوة القدح المُعلى في فرض إرادة الدول الكبرى، مما ينذر بأمرٍ خطيرٍ وشر مستطير.
وفي أوائل هذا الشهر الرئيس ترامب أصدر أوامره (القوية) لشن عملية كبرى لاعتقال مادورو، الرئيس الفنزويلي، ليصبح في قبضة القضاء الأمريكي لمحاكمته على جرائم تدعي الولايات المتحدة ارتكابه لها.
(القوة) استبدلت محكمة الجنايات الدولية بالمحاكم الأمريكية لرئيس دولة مختطف، وبهذا التعريف فإن رجل البيت الأبيض نصب قضاء بلاده لتولي تطبيق العدالة الدولية التي من أجل تحقيقها أُسست الأمم المتحدة لحفظ السلام والأمن الدوليين.
إذاً، التدخل أصبح منهجا تقوده الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا بحجة حماية الأمن والسيادة، هذا التدخل ضد مبادئ المنظمة الدولية والقانون الدولي، من المؤسف إن معظم الدول صاحبة الفيتو في مجلس الأمن هي التي تتسلح بقوتها لرفع شعار التدخل.
روسيا في عام 2008 اختطفت من جورجيا ابخازيا واوسيتيا الجنوبية، وقد اعترفت روسيا باستقلالهما ولم تحظَ جورجيا بدعم دول أوربا وأمريكا بعد أن استولت القوة الروسية على حوالي (20) في المئة من أراضي جورجيا.
السيد بوتن صاحب (القوة) العظمى لم يتأخر فقد استعملها مبكرا منذ عام 2014 التهمت قوة بلاده جزءا من أوكرانيا (جزيرة القرم) البالغ مساحتها (27000) كم2 وقد وقفت أوربا وأمريكا عاجزة عن دعم أوكرانيا لاستعادة تلك الجزيرة.
وثالثة الأثافي الغزو الروسي لأوكرانيا منتهكة سيادتها وخارقة للقانون الدولي والأعراف الدولية وميثاق الأمم المتحدة ومجلس أمنها، ورغم مرور سنوات على تلك الحرب فلم تتمكن الأمم المتحدة ومجلس الأمن وأوروبا والولايات المتحدة التي أعلن رئيسها مراراً وتكراراً أن وقف إطلاق النار أصبح قريبا لينظر في حل النزاع الروسي ــ الأوكراني بعده، لكن شيئا لم يحدث، وتبقى (القوة) رافعة رأسها في عالم اليوم.
السيد ترامب أعلن سيطرة بلاده على 55 في المئة من مجموع نفط العالم، وستقوم شركات النفط الأمريكية ببناء المنشآت النفطية في فنزويلا بعد العملية العسكرية التي أدت الى اعتقال الرئيس الفنزويلي.
ويبدو أنه هنا أخذ في الحسبان احتياطي بلاده (80) مليار برميل من النفط الاحفوري إضافة إلى الزيت الصخري ومعه الاحتياطي النفطي الفنزويلي (303) مليارات برميل وكأن فنزويلا أصبحت فعلا جزءاً من الولايات المتحدة.
هذا الرقم (55 في المئة) بعيدا عن مجموع الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط (1564.523) برميل والأوبك وحدها احتياطيها المؤكد (1243.523) طبقا لإحصائيات 2025.
وغطرسة القوة ذهبت بعيدا، فسيد البيت الأبيض مستمر في التمدد الأمريكي (لتصبح أمريكا عظيمة) فقد أعلن وهو في سباق الترشح للرئاسة أن من سياسته ضم (جزيرة جرينلاند) إلى بلاد العم سام، تلك الجزيرة المهمة إستراتيجيا لأوروبا والولايات المتحدة وغيرهما.
ومما يوضح جدية ترامب في ضم تلك الجزيرة التي من يسيطر عليها يسيطر على ممرات الشحن الرئيسية في القطب الشمالي، فإن هناك أمام الكونجرس مشروع قانون ينص على ضم الجزيرة لتصبح الولاية (51).
وقد دخلت الولايات المتحدة المفاوضات مع الدانمارك حيث يمثل الجانب الأمريكي نائب الرئيس الأمريكي ووزير الخارجية وممثلين من الجزيرة والدانمارك في ظل معارضة شديدة من أوربا وروسيا والصين.
وإعلان آخر، ولن يكون الأخير للسيد ترامب بتاريخ 17 يناير أكد فيه أنه سيفرض رسوما بنسبة 10 في المئة على الدول الأوربية التي تعارض ضم الجزيرة وفي مقدمتها الدنمارك وستصبح تلك الرسوم 25 في المئة في يونيو، وستستمر حتى التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء بلاده للجزيرة.
ويستمر استعمال لغة القوة (الصلبة) فالرئيس الأمريكي أعلن جهاراً نهاراً أن وزير خارجيته السيد ماركو روبيو قد يصبح رئيسه (بالقوة) رئاسة كوبا لتنضم إلى بلاده، تلك الدولة التي شهدت أزمة الصواريخ الروسية في الستينيات واستطاع كل من خروتشوف وكيندي تجنب حرب عالمية ثالثة في تلك الفترة من التاريخ.
أرض العرب بقدر الثروات الهائلة والنعم الكثيرة التي اختزنتها فوق أراضيها وفي باطنها وبقدر ما انهالت عليها المصائب والكوارث من كل حدب وصوب، فاستهدفتها وحيكت ضدها المؤامرات، واشتعلت بالاضطرابات والحروب التي تستهدف إنسانها في ثوابته وخلقه، نجدها اليوم يعم بعضها الشقاق والعداء والتشتت حتى لا يلتفتوا إلى استغلال ثرواتهم الوافرة، والقوة بكل عناصرها السياسية والاقتصادية والإستراتيجية والعسكرية هي التي تحمي السيادة والشعوب والحدود والثروات، وتحفظ الأمن والاستقرار في الدولة، ومن يمعن النظر في قصص التاريخ ستبرز له عبر عظيمة تجعله يشعر بالحسرة والأسى وعمق الأسف.
العراق لم يكن أول الأراضي العربية التي احتلت وسرقت خيراتها وقتلوا أهلها وشردوا، ففلسطين تم احتلالها من قبل، وفعل بأهلها ما لم يفعل بغيرهم، وأصبحت جرح العرب النازف.
والقضية الفلسطينية تمر اليوم بأعقد مراحلها فالقدس أعيد تشكيلها على يد إسرائيل التي ترسم خطوط تهويدها، ورغم تلك المخاطر المحدقة نجد أن الفلسطينيين قد اشغلوا عن عدوهم الأساس إلى صراعات داخلية مزقتهم وأضعفت قدرتهم على المواجهة وأطمعت العدو فيهم فكانت محرقة غزة الأخيرة تكملة لمحرقتها السابقة.
القوة الأمريكية المعراة لها نصيب الأسد في إحداث الفوضى في بعض الدول العربية وتقسيمها إلى دويلات، فمنذ عام 2003 عندما احتلت العراق (بالقوة) لم تتوقف عن سياستها مستعملة طغيان القوة وتم تمزيق الصومال حتى أن قسما منها أصبح في يد إسرائيل، وليبيا بلد المجاهد الكبير عمر المختار هي الأخرى قسمت ولم تذق طعم الأمن والاستقرار منذ سقوط النظام السابق، واليمن وبلاد الشام ولبنان هي الأخرى لا تقل معناة عن الدول التي نوهنا عنها..
والسودان الذي ضربات القوة فصلت جنوبه ليصبح دولة مستقلة (193) وها هو السودان يعيش مشهداً خطيراً؛ فالحرب الأهلية مزقت تلك البلاد وأهلها غادروها مهاجرين.
المهم ان العرب وهم يواجهون هذه الأحداث المريرة على ترابهم لم يستفيدوا من العبر والدروس، ولم يقرؤا التاريخ بشكل صحيح، ولم يدركوا ما تريده أمريكا وإسرائيل وغيرها من الدول الكبرى، وإذا فشلت في إدراك مرامي عدوك فبالتأكيد ستفشل في إعداد الأسلحة وبناء القوة رغم أن الدول العربية خصصت أكثر من (5) ترليون دولار لشراء الأسلحة. القوة هي السلاح الأنجع لمواجهة ورد خطر الأعداء كما أن من وسائل التغلب على العدو أن تعرف مواضع ضعفه وأوقاته.
على العرب أن يقرؤوا كل هذه المتغيرات، ويدرسوها، ويحللوها، لخدمة قضاياهم العربية، فإن الذي يحميهم من البطش ويعيد إليهم حقوقهم، ويحميهم ويرد الكيد عنهم، هو اتحادهم ليصبحوا كياناً واحداً متماسك البنيان يمتلك أسباب القوة الاقتصادية والعسكرية، لأن القوة في هذا العصر ضرورة وليست ترفا.
فالألم واحد والمعاناة واحدة والمصير واحد، نحن نركب سفينة واحدة في بحر لجي شديد الغور عالي الأمواج، إما أن تنجو هذه السفينة وننجو جميعا وإما أن تغرق ونغرق معها.
والله ولي التوفيق.
** **
- رئيس مركز الخليج العربي لدراسات واستشارات الطاقة