عمرو أبوالعطا
لم تكن الابتسامة في أوروبا القرن التاسع عشر مجرد علامة جمال، كانت رمزًا اجتماعيًا يحدد الطبقة والمكانة.
ومع تفشي تسوس الأسنان نتيجة انتشار السكر والحياة الحضرية، وجد الأثرياء أنفسهم أمام مأزق حقيقي؛ كيف يحافظون على ابتسامة طبيعية في زمن لم يعرف طب الأسنان الحديث؟ بين عاج الحيوان وخزف بدائي لا يُحتمل، ظهرت فكرة صادمة في بساطتها ووحشيتها ؛ أسنان بشرية حقيقية مأخوذة من أفواه الموتى لتُزرع في أفواه الأحياء، فتتحول الابتسامة إلى أثر من مأساة الآخرين.
هكذا نشأت تجارة غريبة، لم تولد في العيادات ولا في المختبرات، ولدت في المقابر وساحات الإعدام، قبل أن تجد في ساحات المعارك الكبرى مصدرًا متجددًا. بعد معركة واترلو عام 1815، حيث سقط عشرات الآلاف من الجنود في ساعات قليلة، تحولت الأرض إلى سوق مفتوح. جثث طازجة، وأسنان شابة لم تُنهكها الشيخوخة أو الأمراض، وفرصة نادرة لتجار وأطباء الأسنان في لندن وباريس. لم تكن العملية رومانسية، بل ممارسة خشنة، يُنتزع فيها السن بالكماشة، يُنظف تنظيفًا أوليًا، ثم يُنقل عبر شبكات وسطاء إلى العواصم الأوروبية، لتثبت في أطقم فاخرة في أفواه النخبة.
سرعان ما شاع وصف «أسنان واترلو» في الخطاب الطبي والإعلاني، لا كعلامة رسمية، لكن كرمز للجودة، وكأن المعركة نفسها أصبحت شهادة منشأ.
أسنان جنود شباب ماتوا في أوج أعمارهم تحولت إلى سلعة مرغوبة، تُثبت في أفواه الأثرياء، لتصبح الابتسامة شاهدة على مأساة بعيدة. ورغم قسوة الفكرة، لم تثر صدمة واسعة آنذاك، إذ كان المجتمع الطبي والاجتماعي يرى في الجسد الميت موردًا مشروعًا للمنفعة، سواء للتشريح أو للتعويض السني، بينما اعترض بعض رجال الدين والمفكرين، وكتب الصحفيون عن «ابتسامات مسروقة من الموت»، لكن صوت السوق كان الأعلى، والحاجة العملية غلبت الحس الأخلاقي.
امتدت الظاهرة بدرجات متفاوتة إلى حروب لاحقة، من النزاعات الأوروبية إلى حرب القرم، وصولًا للحرب الأهلية الأمريكية، حيث استُخدمت الأسنان البشرية أحيانًا عبر وسطاء لنقلها إلى أوروبا، مع التأكيد في الإعلانات على «أسنان جنود شباب وصحيين»، لتضيف طابعًا تسويقيًا على مأساة الحرب.
ومع مرور الوقت، بدأ هذا النمط يتراجع، ليس لأسباب أخلاقية، بل نتيجة التطور التكنولوجي ؛ ظهور قواعد أطقم الأسنان المصنوعة من المطاط المقسّى على يد تشارلز غوديير، ثم انتشار أسنان البورسلين الصناعية، وفر بدائل أرخص وأنظف وأكثر ثباتًا، فلم يعد هناك داعٍ لاستخدام الأسنان البشرية، فانخفض الطلب تدريجيًا حتى اختفت هذه التجارة تقريبًا مع نهاية القرن التاسع عشر، رغم استمرار استخدام الأسنان البشرية في حالات محدودة حتى أوائل القرن العشرين.
قصة تجارة الأسنان البشرية تكشف عن جانب معقد من تاريخ الطب، حيث يتقاطع التقدم الطبي مع استغلال الحرب والفقر، وحيث تتحول الحروب إلى موارد، والموت إلى مادة نافعة. هي تذكير بأن كثيرًا من مظاهر الحضارة الحديثة وُلدت في مناطق رمادية أخلاقيًا، وأن الابتسامات التي بدت وادعة في صور القرن التاسع عشر كانت تحمل في طياتها تاريخًا صامتًا من الدم والمعاناة والابتكار في آن واحد.
عندما ننظر إلى صور الأرستقراطيين في تلك الحقبة، قد نرى ابتسامة راضية، لكنها في الحقيقة تحمل رحلة طويلة من ساحات المعارك إلى أفواه الأثرياء، رحلة تروي كيف يمكن للابتكار الطبي أن يولد من قلب المأساة، وكيف يمكن لأبسط تفاصيل الجسد البشري أن تحمل تاريخًا مخفيًا من العنف والاستغلال.