عبدالعظيم العويد
في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات، وتتسارع فيه الرسائل، لم يعد التحدّي في وفرة المعلومات، بل في قدرة العقل على التمييز والاختيار. ومن هذا المنطلق، تأتي دعوة تحرير العقل بوصفها ضرورة فكرية، لا ترفًا ثقافيًا، ومسؤولية فردية قبل أن تكون مطلبًا مجتمعيًا.
ككاتبٍ صحفي ومهتم بالشأن الفكري والإعلامي، أرى أن أخطر ما يواجه الإنسان اليوم ليس الجهل، بل الاعتياد على التفكير الجاهز؛ ذلك النمط الذي يُقنعنا بأن ما ورثناه أو اعتدنا سماعه هو الحقيقة الكاملة، دون أن نمنح أنفسنا حق السؤال أو المراجعة. فالعقل الذي لا يُسائل، يتحوّل تدريجيًا إلى مساحة مغلقة، مهما بدا ممتلئًا بالمعلومات.
تحرير العقل لا يعني القطيعة مع الثوابت، ولا التمرّد على القيم، بل يعني الارتقاء بها عبر الفهم العميق والوعي النقدي. هو أن نُحسن التفريق بين ما نؤمن به عن قناعة، وما تبنّيناه بدافع الخوف أو التقليد. فالفكر الحر لا يتشكَّل في بيئة الخوف، بل في مساحة آمنة تحترم السؤال وتقدِّر الاختلاف.
ومن خلال تجربتي في العمل الإعلامي، أدركت أن الكلمة قد تكون أداة وعي، وقد تتحوَّل -إن أسيء استخدامها- إلى أداة توجيه أو تضليل. لذا، فإن تحرير العقل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحرير الخطاب؛ خطابٍ يقدِّم المعلومة بصدق، ويفتح باب النقاش، ولا يصادر الرأي الآخر. فالإعلام الواعي لا يصنع أتباعًا، بل يصنع مواطنين مفكِّرين.
كما أن الانفتاح على الآخر، والاطلاع على تجارب متنوعة، لا يُضعف الهوية كما يظن البعض، بل يعزِّزها. فالعقل الواثق من ذاته لا يخشى المقارنة، ولا يتردد في الاعتراف بأن الحقيقة قد تكون متعددة الزوايا. وهذا الإدراك هو جوهر النضج الفكري الذي تحتاجه مجتمعاتنا اليوم.
ختامًا، فإن تحرير العقل ليس لحظة عابرة، بل مسار مستمر يبدأ من سؤالٍ صادق، ويمتد إلى موقفٍ واعٍ، وينعكس سلوكًا مسؤولًا. وهي دعوة أوجّهها لكل قارئ: لا تتخلَّ عن عقلك، ولا تؤجِّر وعيك، فالأوطان لا تُبنى إلا بعقولٍ حرَّة.. واعية.. ومسؤولة.