عبدالمطلوب مبارك البدراني
ليس الفقر دائماً قدراً محتوماً أو نتاج كسل فردي، بل هو في كثير من الأحيان منتج نهائي لآلة منظمة تعطل تروس الإنتاج وتغذي بؤر الفساد. حين تغيب العدالة لا يضيع المال فقط، بل تضيع كرامة الإنسان.
الفقر يُصنع عندما تُغلق أبواب العمل أمام الكفاءة، ويُكافأ الفساد بدلاً من الإنتاج، وتُدار الدولة بوصفها غنيمة لا مؤسسة، عندها لا يولد الفقر وحده؛ بل يُصاغ عمداً داخل منظومة تُحسن استثمار هشاشة الإنسان. عندما تتحول محاربة الفقر من رعاية اجتماعية» (إعطاء السمكة) إلى «تمكين اقتصادي» (تعليم الصيد)، هنا يبدأ التغيير الحقيقي.
كيف واجهت بلادنا الغالية» صناعة الفقر؟
لقد انتقلت المملكة العربية السعودية من مرحلة معالجة الأعراض إلى استئصال الجذور عبر إستراتيجيات واضحة:
- مشرط مكافحة الفساد: الفساد يعتبر هو الثقب الأسود الذي يبتلع موارد التنمية. ولكن بضمان نزاهة المشاريع، تذهب الأموال إلى مستحقيها من مشاريع بنية تحتية وفرص عمل بدلاً من الجيوب الخاصة.
- تمكين الكفاءات (سعودة المهارة لا الوظيفة): التركيز على التدريب التقني والمهني جعل المواطن عنصراً منتجاً وليس مجرد رقم في كشوفات الرواتب، مما يعزز «كرامة العمل».
- تحول الدعم من دعم عشوائي للسلع يستفيد منه الغني والفقير، إلى دعم نقدي مباشر (مثل حساب المواطن) يستهدف الفئات الأكثر احتياجاً بدقة.
- رؤية المملكة 2030 وتنويع الدخل: خلق قطاعات جديدة كالسياحة، والترفيه، والتكنولوجيا، يفتح أبواباً كانت مغلقة أمام الشباب، مما قلل من الاعتماد على الدعم الحكومي التقليدي.
العدالة كركيزة للاستقرار
كما ذكرت، لأن غياب العدالة هو المعطل الحقيقي للإنتاج. وحينما يشعر الفرد أن الفرص متاحة بناءً على الجدارة وليس «الواسطة» أو «المحسوبية»، يتحول من حالة اليأس والحرمان إلى حالة الإبداع والمبادرة.
الفقر لا ينمو في أرض تسقيها العدالة، أبداً بل ينمو حيث تُسد قنوات الفرص.»
فإن رؤية 2030 لم تتعامل مع الفقر والبطالة كأرقام إحصائية فقط، بل كقضية «جودة حياة» و»كرامة إنسانية».
ومن أبرز المبادرات التي صُممت خصيصاً لتفكيك «صناعة الفقر» وتحويل المجتمع إلى قوة منتجة:
1- برنامج تنمية القدرات البشرية (الاستثمار في الإنسان)
هذا البرنامج هو الرد المباشر على فكرة أن الحرمان قد يكون نتاجاً لتعطل تروس الإنتاج. يهدف البرنامج إلى:
- تطوير التعليم: ليتناسب مع احتياجات سوق العمل الفعلي، بحيث لا يتخرج الشاب ليجد نفسه عاطلاً، بل ليجد فرصاً تنتظره في قطاعات واعدة.
- توفير منصات تدريبية (مثل منصة «دروب») لإعادة تأهيل الموظفين والباحثين عن عمل، مما يمنع وقوعهم في فخ البطالة الهيكلية.
2- تمكين المرأة (مضاعفة القوة الإنتاجية)
كان تهميش دور المرأة يمثل تعطيلًا لنصف المجتمع، وهو أحد أشكال «هدر الموارد البشرية». اليوم، قفزت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل السعودي لتتجاوز مستهدفات الرؤية الأولية، مما ساهم بشكل مباشر في رفع دخل الأسر السعودية وتقليص معدلات الفقر.
3- برنامج «جودة الحياة»
الفقر ليس مادياً فقط، بل هو غياب البيئة الصحية والمحفزة. هذا البرنامج يعمل على:
- تحسين البيئة الحضرية: توفير حدائق ومرافق رياضية وثقافية مجانية أو ميسرة للجميع، مما يقلص الفوارق الطبقية في الاستمتاع بالحياة اليومية.
- دعم الثقافة والترفيه: خلق آلاف الوظائف في قطاعات لم تكن موجودة سابقاً، مما فتح أبواباً لجيل كامل من المبدعين والشباب.
4- بنك التنمية الاجتماعية و»دعم المنشآت الصغيرة»
لمواجهة «آلة الفقر»، قامت الدولة بدعم المشاريع متناهية الصغر والأسر المنتجة:
- تحويل الأسر من متلقية للإعانات (الضمان الاجتماعي) إلى أسر منتجة تمتلك مشاريعها الخاصة.
- تقديم قروض ميسرة ودعم فني للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، لأنها العمود الفقري لأي اقتصاد يطمح للقضاء على البطالة.
5- التحول الرقمي والشفافية
كما أشرتَ إلى أهمية محاربة الفساد، فإن أتمتة الخدمات الحكومية (عبر منصات مثل «إيجار»، «قوى»، «ناجز») قضت على «البيروقراطية» التي كانت تغذي الفساد والمحسوبية. الآن، أصبحت الفرص تُنشر بشفافية، والحقوق تُحفظ بقوة النظام والتقنية، مما يضمن عدالة التوزيع.
النتيجة الملموسة:
انخفاض معدل البطالة بين السعوديين إلى مستويات تاريخية (وصل إلى 7.1% في الربع الثاني من 2024)، وهو ما يثبت أن السياسة حين تتوجه نحو التمكين بدلاً من مجرد الإعانة، فإنها تنجح في تفكيك «صناعة الفقر».