د.عبدالعزيز النخيلان
كانت الحياة في زمن آبائنا وأجدادنا لا تستقيم إلا بالناس. لم يكن الإنسان قادرًا على أن يمضي يومه وحده، فكل تفاصيل الحياة كانت تقوم على التعاون الحقيقي والتكاتف الفعلي. الجار كان سندًا، والأخ كان ظهرًا، والقريب كان ضرورة لا رفاهية. كانوا يحتاجون بعضهم في كل شيء: في الغذاء، وفي الأمن، وفي السفر والترحال، وفي حماية الديار، وحتى في أدق تفاصيل الحياة اليومية، من جمع الحطب إلى بناء بيت أو حرث أرض.
كانت الحاجة تفرض العلاقات، والظروف تصنع القرب. كان الواحد منهم يعرف أن بقاءه مرهون ببقاء غيره، وأن قوته لا تكتمل إلا بقوة الجماعة.
أما اليوم.. فالوضع مختلف تمامًا. لم نعد بحاجة لأحدٍ في ظاهر الأشياء. كل شيء متاح، وكل خدمة تصل إلى باب بيتك.
تستطيع من شاشة هاتفك أن تحجز طائرة، وفندقًا، ومواصلات، وتذاكر الفعاليات. ومن خلال تطبيقات بسيطة تجد قانونًا يحميك، ووزارةً تخدمك، وجهةً حكوميةً تنجز معاملتك في ثوانٍ. تجدد جوازك، وتصدر رخصتك، وترسل معاملتك من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.. وأنت جالس في منزلك. حتى السوق لم نعد نذهب إليه؛ بقالة الحي تصل، والمطعم يصل، والملابس تشترى من أكبر متاجر العالم وأنت على أريكتك، وتُدفع إلكترونياً، وتصل إلى باب بيتك بعد أيام قليلة.
هذا الرخاء وهذا التيسير جعلا الإنسان مستغنياً عن الناس.. أو هكذا ظن. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. الحياة ليست حاجات نطلبها من بعضنا، بل هي علاقات إنسانية تستقيم بها أرواحنا قبل أيامنا. قد لا أحتاجك في طعامي، ولا تحتاجني في سفرك، وربما نستطيع إنهاء كل أمورنا دون أن نرى أحداً.. ولكننا لا نستطيع أن نحيا دون بقاء العلاقات، ودون دفء التواصل، ودون صلة تجمعنا بمن حولنا.
لقد جعل الله صلة الرحم من أعظم أبواب الخير، وربطها بوفرة الرزق وطول العمر، ورفع شأنها فوق كل العلاقات. وفي المقابل عظّم ذنب قاطعها حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يدخل الجنة قاطع) - أي قاطع رحم.
لست بحاجة لأخيك ليقضي لك مصلحة. ولا لجارك ليحضر لك خُبزاً أو ماء. ولا لقريبك ليحجز لك موعداً أو يكتب لك معاملة. ولكنك بحاجة لروحٍ قريبة، لقلبٍ يدعو لك، لصوتٍ يذكّرك، ولمودةٍ تحفظ ما بقي من إنسانيتنا وسط عالم أصبح كل شيء فيه يُنجز بزرّ واحد.
لست بحاجتك.. ولستَ بحاجتي.. ولكننا بحاجـة لأن نبقى بشراً.