د. طارق بن محمد بن حزام
يشهد المجتمع السعودي في السنوات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في عزوف بعض الشباب والفتيات عن الزواج، وهي ظاهرة لم تعد تُفهم بوصفها خيارًا فرديًا معزولًا، بل باتت تعكس تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية عميقة، تستدعي قراءة تتجاوز السطح إلى الجذور.
ورغم شيوع ربط الظاهرة بالعوامل المادية، إلا أن الصورة الذهنية التي صنعها الإعلام عن الزواج تمثل عاملًا محوريًا في هذا العزوف؛ إذ لم يعد الزواج يُقدَّم كشراكة إنسانية واستقرار اجتماعي، بل صُوّر في كثير من الخطابات الإعلامية كعبء نفسي ومساحة صراع، في مقابل تسويق نماذج للفرد “الناجح” المتحرر من الالتزامات الأسرية، وكأن الإنجاز لا يتحقق إلا خارج إطار الأسرة.
هذا الخطاب المتكرر عبر الدراما ومنصات التواصل أسهم في رفع سقف التوقعات، وصناعة صورة متطرفة للحياة الزوجية: إما مثالية غير واقعية، أو قاتمة مليئة بالمشكلات، ما جعل الإقدام على الزواج قرارًا محفوفًا بالقلق والخوف المسبق.
ومع ترسخ هذه الصورة، يأتي العامل الاقتصادي ليعمّق الأزمة؛ فالمغالاة في تكاليف الزواج وارتفاع المهور، إلى جانب الاشتراطات الاجتماعية المظهرية، جعلت الزواج التزامًا ماليًا يفوق قدرات شريحة واسعة من الشباب، إضافة إلى ضعف الاستقرار الوظيفي والخوف من الفشل في ظل تصاعد نسب الطلاق.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في تحولها إلى نمط اجتماعي مقبول، تتراجع معه قيمة الأسرة، وتضعف الروابط الاجتماعية، ويُعاد تعريف الاستقرار بعيدًا عن معناه الطبيعي. فالإشكال هنا لا يقتصر على الشباب، بل يمتد إلى الخطاب الموجَّه إليهم.
إن معالجة عزوف الشباب عن الزواج تتطلب مقاربة شاملة، تبدأ بتصحيح الصورة الإعلامية، وإعادة تقديم الزواج بوصفه شراكة واقعية تقوم على التفاهم والمسؤولية، لا على المثالية أو الصراع، مع ترشيد تكاليف الزواج، وتعزيز برامج الدعم السكني والوظيفي، ونشر ثقافة أسرية متوازنة تعيد الثقة بمؤسسة الزواج.
فالإعلام، حين يصحح الصورة، يغيّر القرار.. وحين تستقيم الصورة، تستعيد الأسرة مكانتها بوصفها الركيزة الأولى للاستقرار الاجتماعي، ويُقاس تقدم المجتمع بمتانة الأسرة بقدر ما يُقاس بنموه الاقتصادي.