د. منى بنت علي الحمود
يحتفل العالم في الرابع من يناير باليوم العالمي «للغة برايل» تقديراً لذلك العمل الإنساني الجليل الذي مكن العمي وضعاف البصر من القراءة والكتابة باستقلالية. غير أن طريقة «برايل» لم تعد مقتصرة على القراءة والكتابة فقط، بل امتد حضورها إلى مجالات الفنون بوصفها لغة يتحول اللمس فيها إلى نافذة تعيد تعريف الفن، وتفتح الآفاق الروحية للتعبير الجمالي.
العمى لا يعني غياب البصر فحسب، بل يشير غالباً إلى رؤية أعمق تتجاوز محاجر العيون إلى قرارات النفس وعمقها حيث الوعي والمعنى.
من (العمى) تنشأ الكثير من الفنون وليس من الإبصار؛ حين يعجز الإنسان عن فهم واقعه المباشر، فيلجأ إلى الخيال والتجريد أو حتى إلى التشويه بهدف الانكشاف على حقيقة خفية هي عبثية الوجود. عندما يصدح العمى في لوحة أو مقطوعة موسيقية أو تمثيلات أدبية، يكون العمى وسيلة لرؤية ما لا يُرى، ويغدو الفن فعل مقاومة للسطح والظواهر، سعياً نحو بصيرة وحدس داخلي يتحدى المألوف ويتمرد على الرؤية معيداً صياغة معناها.
الفن ليس مجرد وسيلة لتجميل الحياة بقدر ما هو طريقة لفهم الوجود وكشف معنى تلك الحياة، فالأعمال الفنية الكبرى تحمل أسئلة عويصة، يصير الفن عندها مضماراً للتفكير الإنساني الأعمق، وهذا بلاشك لا يتطلب التعاطي مع الإدراكات الحسية، وهنا يكون الفن فعلاً وجودياً قائماً على صفاء الذات والتعبير عن روح القلق وصدق المسؤولية. صحيح أن الفنون لا تنقذ العالم، ولكنها تمنح القدرة على خلق المزيد من الاحتمالات لفهمه، فنجد الزمن المتحول، والمكان الذي يشي بمفردات الذاكرة والهوية، والصوت والإيقاع المعلنة عن التحرر والمراوغة، حين لا يكون شيء هنا سوى الإنصات لضجيج العمى.