عبدالرحمن الحبيب
اليوم، تُدفع العولمة في الاتجاه المعاكس؛ وعند السؤال عن السبب، تُشير أصابع الاتهام إلى ارتفاع الرسوم الجمركية، إلا أن المعايير، لا الرسوم الجمركية، هي التي تُحرك عجلة العولمة، وهي تُشكل التهديد الأكبر لها، فهذه المعايير - التي تتعلق أساسًا بسلامة المنتجات والمتطلبات البيئية - تحدد المنتجات التي يُسمح لها بالوصول إلى الأسواق، وتلك التي لا يُسمح لها بذلك؛ ويمكن تحميل المستهلكين تكلفة الرسوم الجمركية في صورة ارتفاع الأسعار، أو قد تُقلص الأرباح، بينما استخدام معيار جديد كحاجز تجاري قد يُؤدي، ولو مؤقتًا، إلى قطع التجارة تمامًا.
تلك خلاصة ما كتبه إندرميت غيل كبير الاقتصاديين في مجموعة البنك الدولي (مجلة الإيكونيميست)، الذي يؤكد أن أكبر عائق أمام التجارة العالمية ليس الرسوم الجمركية، بل المعايير لأن قواعد سلامة المنتجات واللوائح البيئية قد تضاعفت بشكل كبير خلال الثلاثة عقود الماضية.
بداية، يُقصد بالمعايير هي الأطر التنظيمية التي تلزم بأن تكون المنتجات آمنة ومستدامة وغير ضارة، وتشمل المتطلبات الرئيسية الامتثال للمعايير الفنية ومعايير وضع العلامات ومعايير التصميم والجودة، وأشهرها معيار إيزو (ISO) للمنظمة الدولية للتوحيد القياسي، وهي المواصفة الدولية الأولى لإدارة الصحة وسلامة الأغذية والجودة والبيئة وأمن المعلومات.
وإن كانت هذه المعايير هدفها الوقاية من الإصابات وحماية البيئة وضمان تتبع المنتج والامتثال لقوانين التجارة الدولية، إلا أنها كثيراً ما تستخدم بهدف حماية المنتجات المحلية ضد المستوردة، وذلك لتلافي مخالفة الاتفاقات الدولية ومنظمة التجارة العالمية والتجارة الحرة التي تمنع وضع حواجز على المنتجات المستوردة إلا لأسباب صحية أو بيئية.
بين تأسيس منظمة التجارة العالمية عام 1995 وعام 2021، انخفضت معدلات الرسوم الجمركية القياسية التي تُطبقها الدول الأعضاء في المنظمة على بعضها البعض بنحو النصف، إلا أن الحكومات لجأت ببساطة إلى أداة ضبط مختلفة: فقد شهدت التدابير غير الجمركية ارتفاعًا ملحوظًا، مما عوض جزءًا كبيرًا من انخفاض معدلات الرسوم الجمركية، حسبما كتب إندرميت غيل.
غيل أوضح أن التدابير غير الجمركية تؤثر حاليًا على 90 % من حجم التجارة العالمية، أي ستة أضعاف النسبة قبل ثلاثة عقود؛ بينما أكثر من نصف المعايير التي يزيد عددها عن عشرين ألف معيار والتي وُضعت على مدى العقود السبعة الماضية لم تكن موجودة قبل مطلع هذا القرن؛ وقد نتج عن ذلك قواعد وطنية ودولية متداخلة ومتناقضة في كثير من الأحيان، مما يُسبب الارتباك ويزيد من تكاليف الامتثال لهذه القواعد.
يُفترض أن التدابير غير الجمركية ليست بطبيعتها اقتصادية حمائية، بل يمكن أن تكون أدوات مشروعة لحماية الصحة والسلامة والبيئة، إلا أنه غالبًا ما يكون تأثيرها على صادرات الدول النامية سلبياً، لأن هذه الدول تصدر نسبة أكبر من المنتجات الخاضعة لهذه التدابير، ولا سيما السلع الغذائية والزراعية.
حالياً، يتعين على الدول المصدرة الامتثال لأربعة أضعاف عدد اللوائح الفنية في المتوسط مقارنة بما كانت عليه قبل ثلاثة عقود، وفقاً لغيل الذي وجد أن الدول كثيرًا ما تُشدد في اللوائح الفنية بعد فترة وجيزة من طفرات وزيادة الواردات، مما يشير إلى أن الغرض الحقيقي من العديد من هذه التدابير قد يكون حماية الإنتاج المحلي وليس الصحة أو البيئة.
قد تكون لذلك عواقب وخيمة، كما يقول غيل موضحاً أن تكلفة الحصول على شهادة المطابقة للمعايير قد تصل إلى 425 ألف دولار أمريكي، وهو مبلغ باهظ بالنسبة لمعظم الشركات، خاصة في الدول النامية التي قد تفتقر إلى المدققين والمختبرات اللازمة للتحليل..
فعلى سبيل المثال، لا يتجاوز عدد المدققين المعتمدين للمعايير المتعلقة بالمنظمة الدولية للتوحيد القياسي (ISO) في إثيوبيا 100 مدقق، بينما يبلغ عددهم في ألمانيا 12 ألف مدقق، ومن الطبيعي أن تواجه الشركات الألمانية تكاليف أقل للحصول على الشهادة، تتراوح بين 3 آلاف و11500 دولار أمريكي.
يقول جيل: «يمكن أن يكون المعيار أمرًا إيجابيًا، فهو يُحسّن السلامة والبيئة، ويُحفّز التقدم الاقتصادي، ويُخفّض التكاليف، ويُبسّط الإجراءات، ويرفع الكفاءة، ويُساعد على الابتكار. لكن هذا يعتمد على التنسيق والتعاون الدقيقين، وهو ما لم يحدث خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية.»
عندما تُطبَّق المعايير بشكل صحيح، يكون العائد هائلاً، كما يقول غيل ويضرب مثلاً بكوريا الجنوبية، فقد بنت استراتيجيتها الاقتصادية بالكامل على أساس معايير الجودة. وللمنافسة في الخارج في ستينيات القرن الماضي، أنشأت الحكومة بنية تحتية وطنية عالية الجودة، وشجّعت القطاع الخاص على تطوير معايير طوعية، ثم زادت من مشاركتها في منظمات دولية مثل المنظمة الدولية للمعايير (إيزو) واللجنة الكهروتقنية الدولية.
أخيراً، يخلص غيل إلى أن ما يبدو من المعايير كعملية تقنية هو في الواقع سياسة اقتصادية فعّالة، حسب أبحاثه التي وجدت أنه يُمكن للدول النامية الاستفادة المثلى من المعايير من خلال مبدأين أساسيين: أولًا، ينبغي للحكومات وضع معايير إلزامية فقط عند الضرورة لتحقيق المصالح العامة، كالصحة والسلامة وحماية البيئة.
ثانيًا، ينبغي ترك القطاع الخاص حرًا في وضع معايير طوعية، كما كان الحال في كوريا الجنوبية، مع تدخل الحكومة فقط عند فشل العمل الجماعي.