غدير علوي
عندما تشعر بالاكتئاب أو الإرهاق النفسي، نظن أن العلاج يأتي دائماً من العيادة أو عبر وصفة طبية، ولا نعلم أن طبيباً صامتاً يرافقنا يومياً... إنها المدينة.
المدينة ليست مجرد مبان وشوارع وبنية تحتية، بل هي بيئة نفسية متكاملة. قد لا نعي أن أحد أكثر المؤثرات حضوراً في حياتنا اليومية هو الشارع الذي نمشي فيه، والحي الذي نعيش فيه.
فهل يمكن للشارع أن يخفف الاكتئاب؟ وهل لتصميم المدينة دور في تحسين الصحة النفسية؟
الإجابة المختصرة: نعم، وأكثر مما نتوقع.
الدراسات الحديثة في علم النفس الحضري تؤكد أن تصميم المدينة يؤثر مباشرة على كيمياء الدماغ. المساحات الخضراء، الضوء الطبيعي، الإيقاع البصري صوت الماء، أماكن الجلوس والحركة، وحتى نوعية الأصوات في الشارع... كلها عناصر تتفاعل مع الجهاز العصبي، وتؤثر على مستويات التوتر، القلق، وحتى الاكتئاب.
فمثلا، الشارع الضيق المظلم الخالي من الحياة، ذو الأرصفة المكسورة والواجهات المغلقة، مع غياب الظل والتشوه البصري، يرسل رسائل غير واعية بالتهديد والعزلة بينما الشارع المليء بالحياة، بالأشجار، بالمقاهي المفتوحة وبالناس الذين يتحركون ويتفاعلون، يرسل رسالة مختلفة تماماً بأن المكان آمن، وأن الحياة هنا نابضة، ويطمئن العقل دون أن تشعر.
الاكتئاب ليس فقط حالة نفسية داخلية، بل كثيراً ما يكون انعكاساً لشعور بالانفصال عن العالم. وهنا يأتي دور تصميم المدينة، التي لا تعالج الاكتئاب بشكل مباشر، لكنها تقلل أسبابه اليومية العزلة، فقدان المعنى، انعدام التواصل والشعور بعدم الأمان.
فالشوارع التي تشجع على المشي، الجلوس والتفاعل، والنظر إلى الناس، أو إلى الماء أو الخضرة، تخلق فرصاً صغيرة يومية للاتصال الإنساني. وهذه الاتصالات البسيطة لها تأثير عميق على المزاج والشعور بالانتماء، فهي تعيد الإنسان إلى فطرته الاجتماعية والحسية.
المساحات الخضراء ليست رفاهية جمالية، فوجود الأشجار، الظلال، الماء، والنباتات يخفض ضغط الدم، يقلل التوتر، ويعزز الشعور بالهدوء.
لهذا نلاحظ أن الناس يميلون تلقائياً للجلوس في الشوارع التي تحتوي على عناصر طبيعية.
وأيضاً التفاصيل مثل عرض الرصيف، نوع الأرضيات، ارتفاع المباني، ونسبة السماء التي نراها، كلها تلعب دوراً نفسياً. فالشارع الذي يخنقك بصرياً يختلف تماماً عن شارع يسمح لك بالتنفس.
المدن العلاجية ليست فكرة نظرية، بل اتجاه عالمي في التخطيط الكثير من المدن تتبع هذا النهج في تصميم شوارعها بحيث تكون صديقة للمشاة وغنية بالحياة العامة مدن استثمرت في الساحات في الحدائق، في الواجهات النشطة وفي التفاصيل الصغيرة التي تصنع فرقاً كبيراً في النفس، مما أدى إلى ارتفاع في مؤشرات السعادة.
الاكتئاب بالتأكيد قضية صحية، لكنه أيضاً قضية عمرانية. فالشوارع تصمم للشعور أيضاً... وليست مساراً فقط.