د.عبدالله بن موسى الطاير
فجأة تضاعفت أسعار السيارات اليابانية الأكثر مبيعا؛ الهايلوكس والكرسيدا، صناعة يابانية كانت أسعارها في متناول يد الكثير من سكان القرية. لم أكن حينها أعلم سبب هذا الارتفاع المفاجئ، إلا أنني تضررت به وأنا أشتري السيارة التي سترافقني للدراسة في الجامعة في الرياض. كان أحد الأساتذة العرب يسأل المتزوجين: هل في بيتك شيء ليس من صناعة اليابان باستثناء زوجتك؟ لقد كانت الصناعة اليابانية المتقنة والرخيصة تعمر المنازل بدون منافس. فما الذي أدى إلى أفول نجمها؟
إنها اتفاقية بلازا عام 1985م حيث جمعت إدارة ريجان كلا من اليابان وألمانيا الغربية وفرنسا والمملكة المتحدة وأرغمتها على رفع سعر عملاتها أمام الدولار. بمعنى واضح يفرضه منطق القوة؛ أمريكا واجهت تضخم العجز التجاري والضائقة الصناعية المحلية بإعادة هيكلة للعملة أدت إلى خفض قيمة الدولار عمدًا، لتعزز القدرة التنافسية لصادراتها على حساب الشركاء التجاريين. فرضت أمريكا رفع قيمة الين الياباني والمارك الألماني، وبالتالي خفض قيمة الدولار.
لم يكن الفعل الأمريكي مبادرة اقتصادية بحتة، بل كان ذا طابع جيوسياسي، إذ ضبطت العلاقات النقدية العالمية لضمان مصالحها الاقتصادية في عصر شهد تصاعدا في القدرات التصديرية اليابانية والأوروبية. منذ ذلك الاتفاق، أفل عصر اليابان الذهبي، فكم منتج ياباني اليوم في منزل أحدنا قياسا بالصيني؟
تشير التوقعات لعام 2026م إلى أن الصين تتصدر قائمة الدول المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، تليها الهند في المرتبة الثانية، بينما تتراجع الولايات المتحدة إلى المرتبة الثالثة، وتستحوذ آسيا والمحيط الهادئ على 50 % من الناتج العالمي. يؤكد احتلال المملكة المرتبة التاسعة، متجاوزة ألمانيا، على نفوذها في الشرق الأوسط إلى جانب تركيا، في حين تغيب عن قائمة العشرة الأول أية دولة أوروبية غربية سوى المانيا. إنها ليست إحصاءات رقمية باردة فحسب، بل أدوات سياسية غاية في الأهمية؛ فالنفوذ الاقتصادي يُرتجم تلقائيا إلى هيمنة جيوسياسية.
لعقود طويلة، تحالفت كاراكاس مع الكتلة الشرقية، مستغلة احتياطاتها النفطية الأكبر في العالم لتمويل أعداء ومنافسي الغرب وبخاصة جارتها أمريكا. إلا أنها من الثالث من يناير 2026م لم تعد كذلك؛ لقد دخلت بيت الطاعة الأمريكي. ستفرض واشنطن على كراكاس الجديدة قطع علاقاتها مع بكين وموسكو، وخصخصة قطاعها النفطي، والشراكة حصريا مع الشركات الأمريكية التي تستعد لتعزيز مشاركتها في قطاع النفط الفنزويلي، إنها إستراتيجية واضحة لتأمين لتقليص وصول المنافسين الجيوسياسيين لأمريكا إلى موارد الطاقة الحيوية.
إيران ليست ببعيدة، فهي منذ عام 1979م تلعب في الفريق المقابل للولايات المتحدة الأمريكية. تعلن القيادة الأمريكية استعدادها العسكري وانخراطها في مفاوضات دبلوماسية مع إيران، ولا ندري أيهما يسبق الآخر الرصاص أم الحوار. ضم إيران للمعسكر الأمريكي بثالث احتياط نفطي في العالم لا يعني فقط التحكم في تدفقات الطاقة وأسعارها لتعزيز الازدهار المحلي، بل للتأثير على المواقع الإستراتيجية لمنافسين مثل الصين والهند والبرازيل، والاتحاد الأوروبي، الذين يعتمدون بشكل كبير على استيراد النفط.
على الرغم من تفرد أمريكا بالقرار، والهيمنة العالمية، فإن التفوق الاقتصادي يعزز النفوذ السياسي للقوى المتوسطة والصاعدة، وإسهام دول آسيا والباسيفيك بنحو 50 % من الناتج المحلي العالمي يؤرق أمريكا ويسهم في صعود قوى قادرة على مشاركة القرار وتعدد القطبية. الحمائية الاقتصادية الأمريكية، وسلاح التعريفات الجمركية، وعاملا فنزويلا وإيران، إن تحقق الأخير، ستكون سبيل أمريكا لتهدئة سرعة الصين والهند على غرار ما فعلته باليابان ودول أوروبا الغربية قبل 40 عاما. وبقدر ما تحاول أمريكا تكرار تجربة اتفاقية البلازا، تكتسب الدول المنافسة خبرة تجعلها عصية على العسف الأمريكي. مع ذلك، فإن التفاعل بين الاقتصاد والسياسة ليس استغلالا بحتا أو لعبة محصلتها صفر، فالمؤسسات الدولية، واتفاقيات التجارة متعددة الأطراف، والجهود التعاونية العالمية في مجالات المناخ والتكنولوجيا والصحة، تُظهر أن التكامل الاقتصادي قادر على إرساء أسس للتعاون المفيد لجميع الأطراف. الحقيقة التي يغفلها المتابع البعيد هي أن أطر الحوكمة العالمية متعددة الأطراف لا تنجح إلا بقدر ما تعتقد الدول أن التعاون فيها يخدم مصالحها الإستراتيجية. والتحدي الذي يواجه الحوكمة العالمية في العقود المقبلة يتمثل في إدارة اشتباك الاقتصاد والسياسة، مع إدراك أن السياسة الاقتصادية يجب ألا تخدم المصلحة الوطنية فحسب، بل الاستقرار العالمي الجماعي أيضاً. الإفراط في الأنانية والحمائية والهيمنة لن يسهم في الازدهار الاقتصادي، وإنما سيولد مشكلات اقتصادية وبالتالي سياسية أخذاً في الاعتبار ترابط مصالح دول العالم وتشابكها.
القرارات التي تُتخذ خلف الأبواب المغلقة، كالتدخل في أسعار العملات، وإعادة تنظيم السياسة الخارجية، وإصلاحات قطاع النفط، والمجهود العسكري، لا تقل أهمية عن تلك التي يتم تداولها في المحافل العامة. الاقتصاد ليس مجالاً محايداً؛ إنه فاعل أساس في السياسة والتنافس، وستواصل الدول استخدامه في توجيه الإستراتيجيات السياسية.