د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
يواجه العالم تحولات جذرية في أسواق العمل نتيجة تطورات وتغيرات هائلة على رأسها التطور التقني، وبشكل خاص المهارات المتعلقة بها اعتمادا على الذكاء الاصطناعي، مما يفرض ضرورة الاستعداد لمواكبة هذه التغيرات الجذرية في أسواق العمل العالمية، حيث يتوقع ظهور 69 مليون وظيفة جديدة في العالم واستبدال 83 مليون وظيفة بحلول 2027.
منذ التسعينيات حملت التطورات في ذلك الوقت اتجاها متعاظما نحو العولمة الاقتصادية امتدت لتشمل أسواق العمل، ولم تعد أسواق العمل فقط شأنا وطنيا بسبب جملة من العوامل فرضت واقعا جديدا بسبب الارتباط المتزايد بشبكات الاقتصاد العالمي، والاعتماد شبه المطلق لأسواق العمل في دول الخليج على العمالة الأجنبية، ما حولت سوق العمل إلى سوق معولم.
لم تغب هذه الحقيقة عن تناول موضوع التوظيف والتوطين باعتبارها أحد الهموم على المستوى الوطني، خصوصا وأن هناك حقيقة لابد أن نستوعبها عند خلق الوظائف وصولا إلى تشغيل الخريجين، خصوصا إذا كان حجم الاقتصاد ومتطلباته تبدو الحاجة قائمة ومستمرة للعمالة غير المواطنة لمواكبة متطلبات هذا الحجم المتزايد للاقتصاد وقطاعاته المتعددة، يبقى ملف التوظيف العمل على خلق الوظائف عبر فرص النمو الاقتصادي في ظل اقتصاد حيوي مثل اقتصاد السعودية القائم على تحقيق رؤية تنموية مستدامة.
هناك تزايد في الاتجاه نحو وظائف ذات صلة بالمعرفة والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات والمعاملات الرقمية والبرمجة وصولا إلى التخصصات العالية مثل تصنيع السيارات ذاتية القيادة والطائرات دون طيار وتصنيع الروبوتات تمكن الشباب السعودي من المنافسة، فلم يعد سوق العمل في السعودية كما كان قبل ثلاثة عقود يعتمد على الوظائف التقليدية، وبشكل خاص الحذر من مخاطر النهج القائم على العرض فقط دون ارتباط كاف بالطلب الحقيقي في سوق العمل.
السعودية لا تعاني نقصا في الفرص الوظيفية بقدر حاجتها إلى كفاءات مؤهلة المرتبطة بالتكنولوجيا والاستثمار في المهارات المتقدمة، وهناك قطاعات اقتصادية جديدة كالسياحة والثقافة والترفيه كانت من أبرز المحركات في خفض معدلات البطالة في السعودية كما في قطاع السياحة الذي وفر 250 ألف وظيفة منذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية للسياحة في عام 2019 ليتجاوز إجمالي العاملين فيه حاجز المليون وظيفة بنهاية 2025.
جمعت السعودية وزراء العمل، وبمشاركة 40 وزير عمل من دول تمثل مجموعة العشرين ومن دول مختلفة، وصناع القرار والخبراء من مختلف دول العالم، إلى جانب المدير العام لمنظمة العمل الدولية غيلبرت هونغبو، في حدث يعكس تصاعد الدور السعودي في قيادة الحوار العالمي حول تحولات أسواق العمل وتحدياتها المستقبلية لرسم ملامح أسواق العمل الجديدة والتوجه نحو حوكمة الذكاء الاصطناعي وحماية المهارات العابرة للحدود، التي انطلقت في الرياض في 26/1/2026 أعمال النسخة الثالثة.
يأتي هذا الحدث امتدادا لحضور السعودية المتقدم على خارطة التنافسية الدولية، وترسيخ دورها العالمي في إعادة تشكيل مستقبل أسواق العمل الدولي، بصفتها عضوا فاعلا في مجموعة العشرين، وقوة إقليمية قادرة على تحويل التحديات الهيكلية في أسواق العمل إلى فرص تنموية مستدامة، تحت شعار نصنع المستقبل.
هدف السعودية ان تشكل الرياض منصة رفيعة المستوى لمناقشة قضايا مفصلية تتصدرها التحولات التقنية المتسارعة والذكاء الاصطناعي وتغير أنماط التجارة ونظم المهارات وبناء أسواق عمل أكثر مرونة واستدامة مع تركيز على تمكين الشباب بوصفهم ركيزة اقتصادات المستقبل، من أجل تطوير حلول عملية قائمة على الأدلة تعزز جاهزية أسواق العمل لمتغيرات المستقبل لا سيما في ظل التوسع المتسارع في استخدام التقنيات. وبالتوازي مع عرض تجربة السعودية ضمن إطار رؤية 2030، بعدما حققت السعودية نجاحا تاريخيا في خفض معدلات البطالة لتصل إلى أدنى مستوياتها عند 6.35% بحلول الربع الأول من 2025، منخفضة من 12% في عام 2019، فيما وصلت مشاركة المرأة إلى 34.5% مقابل 23% في 2019، متجاوزة مستهدف رؤية 2030 عند 7% قبل موعده، مما دفعها لرفع سقف الطموح إلى 5%.
اعتمدت هذه التجربة على برامج التوطين النوعي تمكين المرأة اعتمادا على نجاحها في تنويع الاقتصاد ودعم القطاع الخاص، ونمو القطاع غير النفطي الذي قاد زخم الاقتصاد السعودي بعدما أصبحت الأنشطة غير النفطية تمثل 56% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بقيمة 1.7 تريليون ريال في 2024، مرتفعا من 43% في 2016 بقيمة 639.29 مليار ريال، بسبب أن السيادي ضخ استثمارات أكثر من 745 مليار ريال في القطاعات ذات الأولوية، 2021-2025 في خطوة نحو مواصلة دفع عجلة النمو في الصناعات المتقدمة، ومساهمة في الناتج غير النفطي وخلق فرص وظيفية بنحو 1.8 مليون وظيفة جديدة.
فيما ارتفع عدد السعوديين في القطاع الخاص من 1.7 مليون في 2018 إلى 2.4 مليون في 2024، وفي نهاية الربع الثاني من 2025 بلغ عدد السعوديين العاملين 4.1 ملايين موظف منهم 60% في القطاع الخاص و28% في الحكومي و12% في العام، وتضاعف عدد المستثمرين السعوديين تجاوز 1.86 مليون مستثمر في دلالة على ممارسة الأنشطة الاقتصادية والأعمال، ونجحت الموارد البشرية في تنفيذ 92% من مستهدفات استراتيجية سوق العمل التي أطلقتها الوزارة عام 2020.
هناك تعاون بين السعودية والبنك الدولي يمثل نموذجا لتحويل السياسات القائمة على الأدلة إلى فرص اقتصادية ملموسة للشركات بمختلف أحجامها مع تعزيز نمو الوظائف الشاملة، باعتبار أن الاستثمار المستدام في الانسان يعد عنصرا محوريا في إطلاق إمكانات رأس المال البشري ويتطلب تحولا جوهريا في هيكلية التمويل وآليات تنفيذ التحول في القوى العاملة.
تعد أكاديمية سوق العمل الدولي إحدى أبرز مبادرات المؤتمر حيث أطلقت نسختها الأولى في يناير 2025، تلتها النسخة الثانية في يناير 2026، بمشاركة 50 دولة عبر شراكة استراتيجية جمعت المؤتمر الدولي لسوق العمل، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ومجموعة البنك الدولي، وشركة تكامل القابضة، مع استهداف توسيع نطاق المشاركة إلى أكثر من 75 دولة حتى 2028.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا