في كل مرة يشتد فيها الجدل الإقليمي، يظهر نوع واحد من الإعلام لا يخطئه السامع ولا يلتبس على القارئ: إعلام لا ينقل الواقع، بل يُصنّعه. لا يناقش، بل يُملي. لا يسأل، بل يُلقّن. إعلام لا يرى في المتلقي عقلًا حرًا، بل مادة قابلة للتشكيل، تُدفع حيث يريد الموجِّه لا حيث تقود الحقيقة.
هذا النوع من الإعلام لا يعيش على المعلومة، بل على الاصطفاف. لا يقوم على المهنية، بل على الرسائل الجاهزة. والأخطر من ذلك أنه لا يتوقف عند حدود النقد أو الاختلاف المشروع، بل يتجاوزهما إلى محاولات التشويه الممنهج، وخلق سرديات زائفة، وتصديرها باعتبارها «رأيًا عامًا» بينما هي في حقيقتها قرار مُسبق الصياغة.
ولعل من أكثر المفارقات إضحاكًا – ومؤلمة في الوقت ذاته – أن هذا الإعلام الموجَّه يتهم غيره بما يعانيه هو في بنيته: التوجيه، والرقابة الصارمة، والتسويق السياسي المقنّع بثوب الصحافة.
مواقع التواصل الاجتماعي في السعودية: فرق شاسع لا يريدون الاعتراف به. من السهل جدًا، وربما من الكسَل الفكري، اختزال المشهد السعودي في صورة نمطية جاهزة: «كل شيء موجَّه». لكن من يعرف المشهد الحقيقي، أو حتى يراقبه بحدٍ أدنى من النزاهة، يدرك أن هذه الرواية لا تصمد دقيقة واحدة أمام الواقع.
مواقع التواصل الاجتماعي في السعودية تعمل ضمن الأنظمة، نعم، وهذا أمر طبيعي في أي دولة تحترم سيادتها وتحمي أمنها. لكن الفرق الجوهري - الذي يتجاهله الإعلام الموجَّه عمدًا - أن العمل ضمن الأنظمة لا يعني أن الحسابات تُدار من غرف مظلمة، ولا أن الآراء تُكتب بإملاء حكومي، ولا أن الترند يُصنَع بقرار.
الفضاء السعودي مفتوح، صاخب، متنوع، وفيه المؤيد والمعارض، الساخر والناقد، الغاضب والمتحمس. فيه أصوات تُزعج، وأخرى تُحرج المؤسسات، وثالثة تكشف أخطاءً تُصحّح لاحقًا. هذا لا يحدث في بيئة موجَّهة، بل في مجتمع حيّ يتفاعل، يخطئ، يصيب، ويقول رأيه بوضوح. من يصرخ عن «التوجيه» يخفي أزمته الخاصة
حين يخرج إعلام موجَّه ليتهم غيره بأنه «مدفوع» أو «مسيَّر»، فالأمر لا يحتاج إلى كثير تحليل.
إنها حالة إسقاط نفسي وإعلامي واضحة. من اعتاد أن يتلقى العناوين من الأعلى، لا يستطيع تخيّل أن هناك مجتمعات تُنتج رأيها بنفسها. من يعمل وفق سيناريو مكتوب، يصعب عليه تصديق العفوية. في الإعلام الموجَّه، لا ترى خلافًا حقيقيًا. لا تسمع رأيًا يخرج عن النص. لا تلاحظ جدلًا حادًا بين أطراف داخل المجتمع نفسه. كل شيء «مرتب»، «نظيف»، «متشابه». وهذا – بحد ذاته – أكبر دليل على غياب الحرية لا على وجودها.
أما في السعودية، فالصورة مختلفة تمامًا. الجدل موجود، أحيانًا حاد، وأحيانًا فوضوي، لكنه حقيقي. لا يُدار بالريموت، ولا يُضبط بإشارة، ولا ينتهي بتغريدة واحدة.
المهنية ليست شعارات.. بل سلوك
الإعلام المهني لا يقاس بعدد الشعارات التي يرفعها عن «الحياد» و»الحرية»، بل بسلوكه عند الاختلاف. هل يعرض الرأي والرأي الآخر؟ هل ينقل السياق كاملًا؟ هل يتوقف عند المعلومة أم يركض خلف الإثارة؟
الإعلام الموجَّه يفشل دائمًا في هذا الاختبار. لأنه ببساطة لا يرى في الحقيقة قيمة مستقلة، بل أداة. اليوم يضخمها، وغدًا يطمسها، وبعده يعيد تدويرها بما يخدم السردية المطلوبة. أما مواقع التواصل في السعودية، فرغم فوضويتها أحيانًا، إلا أنها أكثر صدقًا. لأنها لا تدّعي العصمة، ولا تتزين بالمثالية، ولا تختبئ خلف خطاب أخلاقي زائف. هي مرآة مجتمع، بكل تناقضاته.
الاتهام لا يغيّر الحقيقة، يمكن للإعلام الموجَّه أن يكرر روايته ألف مرة. يمكنه أن يرفع صوته، ويكثّف محتواه، ويستدعي محللين يرددون الجملة نفسها بصياغات مختلفة. لكن الحقيقة لا تتغير بالصوت العالي.
السعودية ليست مجتمعًا صامتًا يُدار بالريموت. «والسوشال ميديا» فيها ليست وزارة ناطقة، بل مساحة عامة يحكمها النظام، نعم، لكنها تُدار بعقول الناس لا بأوامر فوقية.
أما من يريد إقناعنا بأن كل رأي لا يعجبه هو «موجَّه»، فمشكلته ليست في السعودية.. بل في مرآته الخاصة.
** **
- بشاير الشريدة