عبدالحميد سعيد المالكي
لم يعد العطاء في عصرنا الحديث فعلًا عابرًا تحكمه العاطفة أو الاستجابة اللحظية، بل أصبح رؤية تُدار بعقل مؤسسي، واستثمارًا تنمويًا يُقاس بأثره واستدامته. وفي ظل التحولات التي تشهدها المملكة على مختلف الأصعدة، برزت نماذج وطنية أعادت تعريف مفهوم البذل، ونقلت العمل غير الربحي من نطاق المبادرات المحدودة إلى فضاء المشاريع المؤثرة بعيدة المدى. ومن بين هذه النماذج، يتجلى برنامج سخاء بوصفه تجربة رائدة في صناعة الأثر التنموي المستدام.
لقد أسهم برنامج سخاء، بدعم وإسهام الباذلين، في تنفيذ مشاريع تنموية غير هادفة للربح تجاوزت قيمتها 14 مليار ريال حتى عام 2025م، في مؤشر واضح على نضج العمل الخيري المؤسسي، وتحوله من مجرد إنفاق إلى صناعة أثر حقيقي يُرى ويُلمس. هذه المشاريع لم تكن أرقامًا في تقارير، بل منجزات انعكست على حياة المستفيدين، وأسهمت في بناء مجتمعات أكثر تماسكًا واستقرارًا.
ويقوم برنامج سخاء على فلسفة محورية مفادها أن العطاء الأكثر فاعلية، هو ذاك الذي يعالج جذور التحديات، لا مظاهرها فقط. لذلك، اتجه البرنامج إلى دعم مشاريع نوعية في مجالات حيوية، من أبرزها التعليم، والصحة، والإسكان التنموي، وتنمية القدرات، والخدمات الاجتماعية. وهي مجالات تمس جوهر التنمية الإنسانية، وتسهم في تمكين الأفراد من الاعتماد على أنفسهم، وتحسين جودة حياتهم على المدى الطويل.
ولعل ما يميّز تجربة برنامج سخاء هو انتقاله بالعطاء من موسمية المبادرات إلى استدامة المشاريع، ومن الجهد الفردي إلى العمل المؤسسي المنظم. فقد اعتمد البرنامج على أسس واضحة من الحوكمة والشفافية، وآليات دقيقة لتوجيه الموارد، وقياس الأثر، ومتابعة التنفيذ، بما يعزز ثقة الباذلين، ويضمن وصول العطاء إلى مستحقيه بأعلى درجات الكفاءة والمسؤولية.
كما شكّل البرنامج منصة جامعة لإسهامات الباذلين، وربطها برؤية تنموية شاملة تتكامل مع خطط الدولة ومستهدفاتها. فالمشاريع المدعومة لا تعمل بمعزل عن السياق الوطني، بل تنسجم مع رؤية المملكة 2030، وتسهم في تمكين القطاع غير الربحي، ورفع كفاءته، وتعزيز دوره كشريك فاعل في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
إن الأثر الذي يصنعه برنامج سخاء لا يقتصر على النتائج المباشرة للمشاريع، بل يمتد إلى إحداث تحول في ثقافة العطاء ذاتها. فقد أسهم في ترسيخ مفهوم «العطاء الواعي»، الذي يجمع بين النية الصادقة والتخطيط المحكم، وبين الرغبة في البذل والحرص على الاستدامة. وهو تحول نوعي يعكس وعي المجتمع بأهمية توجيه الموارد نحو مشاريع تبقى آثارها، وتتوارث فوائدها عبر الأجيال.
وتحت شعار ننسج الأثر، يقدّم برنامج سخاء رسالة عميقة المعنى، مفادها أن الأثر لا يُصنع بجهد منفرد أو قرار آني، بل يُنسج بخيوط متداخلة من الرؤية، والتخطيط، والشراكة، والمتابعة. هو نسيج تتكامل فيه جهود الباذلين، وخبرات الجهات المنفذة، واحتياجات المستفيدين، ليخرج في صورة مشاريع تحكي قصة نجاح وطنية بامتياز.
إن تجاوز قيمة المشاريع التنموية غير الربحية حاجز 14 مليار ريال ليس مجرد رقم يُحتفى به، بل دلالة على مرحلة متقدمة من الوعي المجتمعي، وعلى ثقة متبادلة بين الباذلين والمنصات التنموية، وعلى إيمان راسخ بأن العطاء حين يُدار برؤية يصبح قوة تغيير حقيقية.
وفي المحصلة، تؤكد تجربة برنامج سخاء أن الأفكار الملهمة قادرة، حين تجد البيئة الداعمة والإدارة الرشيدة، على أن تتحول إلى أثر يُرى، ومنجز يُحكى، وشاهد حيّ على أن العطاء السعودي ليس مبادرة عابرة، بل نهج تنموي مستدام، يُبنى به الحاضر، ويُصان به المستقبل.