د. الجوهرة بنت فهد الزامل
ينطلق هذا المقال من الإيمان بأن التنمية الوطنية المستدامة تبدأ بإعادة تعريف المفاهيم، وفي مقدمتها مفهوم التميّز، بوصفه قيمة مجتمعية تعزز رأس المال البشري، وتنسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، وتسهم في بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح.
في زمن التحولات الرقمية المتسارعة، يواجه المجتمع السعودي تحديًا جوهريًا في تعريف التميّز. كثيرًا ما يُختزل الإنجاز في الظهور الإعلامي، عدد المتابعين، أو النتائج السريعة، مما يخلق وهمًا مؤقتًا يُضعف الدافعية الحقيقية ويُبعد الشباب عن الأثر المستدام. هل ما نراه تميّزًا حقيقيًا أم إشراقًا لحظيًا يخبو سريعًا؟
الإجابة تكمن في إعادة هندسة التميّز كمنظومة متكاملة، لا كسباق فردي معزول. منظومة تحول الطموح الشخصي إلى وعي جمعي، تربط الإنجاز بالقيمة المجتمعية، وتجعل الإبداع امتدادًا للنسيج الوطني. هذا التحول يستمد جذوره من التراث السعودي الذي جمع بين الفرد والجماعة في الصمود والتكافل، ويتوافق تمامًا مع روح رؤية 2030 التي جعلت الإنسان محور التنمية ورأس المال البشري عمادها.
وتبقى الأسرة هي المعمل الأول للتميز، وهي الفضاء الأول الذي يُزرع فيه الإتقان، الالتزام، والمسؤولية الاجتماعية. هنا يتعلم الطفل أن التميّز ليس انتصارًا شخصيًا معزولًا، بل إسهام مستمر يعزز الانسجام الاجتماعي. عندما يرى الأبناء والديهم يقدّرون العمل الصادق على الشهرة الزائلة، ينشأ جيل محصّن من سطحية الإعجابات الرقمية، ومُوجَّه نحو الأثر طويل الأمد. ولم تعد القدوة مجرد شخصية مشهورة، بل من يجسد الإبداع مع المسؤولية الاجتماعية والأثر المستدام. هي مرآة تعكس كيف يتحول التميّز الفردي إلى إضاءة جماعية. عندما تُبرز وسائل الإعلام قدوات سعودية تجمع بين الإنجاز والقيم، تتحول إلى سردية وطنية ملهمة تعمّق الانتماء وتدعم الشباب في بناء قدراتهم بعيدًا عن الوهم الرقمي.
على أن المؤسسات الاجتماعية: فضاءات التجربة والتأثير العملي فالجمعيات، المراكز الثقافية، ومبادرات التنمية تتيح صقل المهارات وقياس التأثير بعيدًا عن أرقام المشاهدات. دعمها يتجاوز التمويل ليصبح إدماجًا استراتيجيًا في المنظومة القيمية الوطنية، مما يجعلها رافعة لبناء رأس مال بشري مبدع ومؤثر اجتماعيًا.
القطاعان الحكومي والخاص: تصميم النظام البيئي المتكامل فالحكومة تمتلك أدوات السياسات لتشكيل التعليم والإعلام والفرص الاقتصادية بما يعزز التميّز القيمي، بينما يعيد القطاع الخاص صياغة ثقافة العمل ليكافئ الإبداع والمسؤولية الاجتماعية إلى جانب الأداء الاقتصادي.
في السياق السعودي، تجسدت هذه الرؤية في إنجازات رؤية 2030: برنامج تنمية القدرات البشرية، جهود صندوق «هدف»، خفض البطالة إلى نحو 7.5 % بين السعوديين (الربع الثالث 2025)، رفع مشاركة المرأة إلى نحو 36.3 %، وإدراج منهج الذكاء الاصطناعي في التعليم العام منذ العام الدراسي 2025 - 2026. هذه الخطوات ليست تقنية فقط، بل تحول اجتماعي يعيد تعريف النجاح ليشمل الأثر المجتمعي.
ومع تحديات العصر الرقمي وكسر حلقة التميّز الهش أعادت التكنولوجيا تعريف الإنجاز، فأصبح بعض الشباب يقيسونه بعدد المتابعين، مما يُنتج إنجازًا هشًا يخبو سريعًا. التحدي ليس في الأفراد، بل في تصميم بيئة تحول الشاشات من مرايا نرجسية إلى منصات للإسهام الوطني.
وإعادة الهندسة هنا تعني عمليًا:
- مراجعة آليات التقييم لتركز على الأثر لا الشكل.
- تفكيك ثقافة الخوف من الخطأ لتشجيع التجريب والابتكار.
- إعادة تصميم المسارات المهنية لتكون مرنة وعادلة.
- ربط الأداء بالقيمة المجتمعية، لا بالإنجاز الفردي المعزول.
- تحويل الفشل من وصمة إلى خبرة تراكمية.
وفي قلب محور التميّز المستدام يقع التوازن في هذه المنظومة بين الطموح الفردي والوعي الجمعي. الطموح دافع داخلي يغذّيه الوعي الجماعي، فيصبح الإنجاز الشخصي امتدادًا للنسيج الاجتماعي. مستمدًا من تراثنا الذي ربط التميّز بالصمود الجماعي، يصبح هذا التوازن اليوم حاجة استراتيجية لتعزيز التماسك في زمن التحولات.
وعندما تتكامل الأسرة والقدوات والمؤسسات والقطاعات، يتشكل نموذج يُمكن المجتمع من بناء رأس مال بشري متميز في قيمه وإنجازاته. التميّز الذي نحتاجه ليس ذلك الذي يلمع سريعًا ثم يخبو، بل الذي يُبنى بهدوء، ويستمر أثره، ويخدم الجميع قبل الفرد نفسه.
على أن التميّز الحقيقي ليس مجرد بريق مؤقت، بل قيمة مستدامة تتجذر في المجتمع، تعزز المسؤولية الجماعية، وتشجع الطموح والكفاءة على أن يتحولا إلى أثر إيجابي طويل الأمد. هو دعوة لكل فرد وكل مؤسسة للمساهمة في مجتمع يقدّر الإنجاز المستدام ويحتفي بالقيمة الحقيقية للتميز.
** **
- متخصصة في السياسات والتخطيط الاجتماعي.