أ.د.عثمان بن صالح العامر
قرأت منذ زمن ليس بالقريب قصة قصيرة على عجل، واحتفظت بها في جهازي الصغير:
- إعجاباً بها وبمغزاها البعيد، دون الوقوف عند كونها قصة حقيقية أو أنها من نسج الخيال.
- وحتى أعود لها مرة ثانية متأملاً فيها وكاتباً عنها في هذه الزاوية، ففكرتها الأساس وأبعادها المختلفة ذات مساس مباشر بحياة كل منا، وربما مر بأحدنا موقفاً مشابهاً أو أكثر، ولكن كان الرد مغايراً للأسف فكان الأثر سلبياً.
- يقول الكاتب لهذه القصة، ما نصه:
(ذهب صبي إلى البنك ليدفع فاتورة الكهرباء،
فقال له الموظف لقد انتهى الدوام الآن وأغلقنا الأجهزة، اذهب وتعال يوم غد.
فقال له الصبي: هل تعلم من هو والدي؟ هل تعتقد لو أتيت بوالدي ستقول ذات الكلام؟. وخرج الصبي على الفور.
بعد دقائق رجع الصبي ومعه رجل يبدو من هيئته بأنه فقير معدم، وليس معروفا لدى موظفي البنك. لمنصب كان يتسنمه أو طبقة ينتمي لها أو عائلية يفتخر بها.
عرف موظف البنك بأنّ هذا الرجل القادم إلى مكتبه والد الصبي.
فقام ليسلم على الرجل، وقال للصبي سأنجز معاملتك الآن.
فقال له الصبي: أرأيت.. قلت لك لا يمكن أن تقول لأبي لا.
فرمق الوالد موظف البنك وشكره بعمق وقال له: شكراً لك لأنّك رفعت شأني أمام ابني).
يا الله.. موقف رائع من موظف البنك الذي يعطي درساً في إدارة المواقف، فهذا الابن ليس هو الوحيد الذي يعتقد أن والده على كل شيء قدير، وأن على الجميع احترامه وتقديره وإنزاله المنزلة التي هو يحملها له، ولذلك مهما كان وضع الأب الاقتصادي والنفسي والاجتماعي بل حتى الخلقي والقيمي، ومهما كانت منزلتك أنت أيها المسئول الوظيفية ومنصبك الإداري، ومهما كانت طبقتك الاجتماعية ومستواك الثقافي والأكاديمي، تلطف مع الأب خاصة حين يكون كبير سن وتبدو عليه حالة البؤس والمسغبة، أشعره بعظم قيمته لديك، و بعلو منزلته عندك، وتقديرك الشخصي لمجيئه والوقوف أمامك، خاصة إذا كان ذلك بحضور أبنائه أو أحدهما، حاول ما استطعت إلى ذلك سبيلا أن تعينه في الوفاء بحاجته، أو على الأقل تعطيه موعداً مستقبلياً، أو تأخذ رقم جواله وتتواصل معه مباشرة بعيداً عن مسمع ومرأى من هذا الابن.
أشد من عدم الاهتمام به، وانصراف النظر عنه، والتشاغل بالأوراق والهاتف بوجوده، أو تصريفه عن طريق مدير المكتب أو غيره بحجة انشغالك بما هو أهم، أشد من ذلك كله أن يسمع منك كلمات جارحه واحتقارا لشخصه وازدراءً بتصرفه بحضور أهله (زوجته وأبنائه وبناته) الذين ينظرون له الرمز الذي به يحتمون، القادر على تذليل جميع العقبات وحل ما يعترض أيا منهم من مشاكل وصعوبات.
ولذا مهما كان وضعك ومشكلتك مع شخص ما، قم بما يرفع من قيمته أمام أبنائه وأهله. حتى وإن كان هذا الأب صاحب سجل سيئ، وصفحات سوداوية تعرف أنت تفاصيلها وتعلم خباياها، ترفّع عن ذكر شيء منها أو حتى استحضارها وأنت تخاطبه وتتعامل معه في حضور أحد من أهله على افتراض أنه تلفظ عليك وقسا في كلامه.
هذا ما أدبنا به ديننا الإسلامي الحنيف، وما انغرس من عاداتنا وتقاليدنا في بلادنا المباركة المملكة العربية السعودية، وهو ديدن وسمة ولاة أمرنا، قادة وطننا المعطاء حين استقبالهم للعامة وتقديرهم المشهود للكل أمام وسائل الإعلام المختلفة التي يراها الجميع..
دمتم بخير وإلى لقاء.. والسلام.