أبوبكر الموسى
تحت مجهر التحولات الكبرى التي يعيشها النظام الدولي في مطلع عام 2026، تبرز ملامح إعادة تشكيل شاملة للقواعد التقليدية، ترسم مسار عالمٍ يعترف بالنتائج الملموسة والندية السيادية، إن ما يشهده المشهد الدولي اليوم يمثل قطيعة بنوية مع إرث العولمة التقليدية، وبداية لواقعية رصينة تضع الجيوسياسية تحت مقاييس السيادة والمصلحة الوطنية العليا. ويتقاطع هذا المشهد مع ما ذهب إليه تقرير حديث أصدره مجلس العلاقات الخارجية (CFR) في يناير 2026، أشار إلى «تحول حتمي» نحو قيادة عالمية حازمة، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات دولية غير مسبوقة تفرض عليها إعادة ترتيب الأولويات انطلاقاً من موازين القوة والقدرة.
يقود هذا التحول توجُّه أمريكي يعيد إظهار وجه واشنطن الأصلي كقوة قومية تسعى للتحلل من الأعباء التقليدية التي يفرضها دور «الراعي الشامل». وتعتمد هذه الرؤية على تقييم العلاقات الدولية بصفتها حقيبة أصول تُدار بميزان الربح والخسارة، مما يفسر التوجه نحو تفكيك التزامات المؤسسات العابرة للحدود التي باتت واشنطن تراها عائقاً أمام سرعة القرار الوطني وجدواه. وفي هذا السياق، تبرز حالة من «التصالح الاستراتيجي» مع القوى الفاعلة في الشرق الأوسط، وتحديداً في منطقة الخليج؛ وهو تصالحٌ يقوم على تقديرٍ عميق للوضوح السياسي والقدرة على حسم الملفات، حيث يجد البيت الأبيض في هذه العواصم شركاء واقعيين يتقنون لغة المصالح المجردة، بعيداً عن ضجيج البيروقراطية الدولية الذي أرهق التحالفات التقليدية مع الغرب.
على الجانب الآخر، تأتي استجابة القوى المتوسطة، كما عبر عنها رئيس الوزراء الكندي، لتؤكد أن النظام القائم على القواعد قد استُنفِد، وأن القواعد لم تكن يوماً إلا ستاراً لمصالح القوى الكبرى حين تشاء، وأن التكامل الاقتصادي قد يتحول من وسيلة للازدهار إلى أداة للإخضاع ويتناغم هذا الطرح مع الطرح الصريح للرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، الذي أوضح أن القوة باتت هي اللغة الوحيدة التي يُدار بها العالم اليوم، وأن غياب الأمان المشترك يفرض على كل دولة الاعتماد على ثقلها الذاتي. ويعكس هذا التحول إدراكاً بأن السيادة في القرن الواحد والعشرين تُرتهن بالتحصين الذاتي وامتلاك الموارد الاستراتيجية بدلاً من التعهدات النظرية. وتجد القوى المتوسطة نفسها اليوم أمام خيار حتمي لبناء أحلاف مصلحية مرنة تضمن لها مكاناً على طاولة القرار، تجنباً للتحول إلى «طبق على قائمة الطعام» في صراع الكبار؛ وهو ما يدفع دولاً مثل كندا لمحاولة تسييل أصولها من طاقة ومعادن لانتزاع ندية سيادية في عالم لم يعد يمنح الأمان بالمجان.
ختاماً فإننا نعيش اليوم لحظة انكشاف هيكلي؛ وداروينية سياسية، حيث تُعاد صياغة التوازنات كمنصة مفتوحة للمقايضات الشاملة، وتصبح السيادة هي المعيار الوحيد المقبول للتموضع. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال تستحوذ على 26 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأنفقت 849 مليار دولار على الدفاع في عام 2025، إلا أن صعود الصين كمنافس «نِد» غيّر قواعد اللعبة. وفي هذا المشهد البانورامي، تبرز القوى التي تمتلك الموارد والوضوح الاستراتيجي كأهم ركائز النظام القادم؛ إذ يتجه العالم نحو البحث عن شراكات عاقلة تحترم كفاءة القرار الوطني وقدرة كل أمة على صياغة مستقبلها ببيانات القوة الواقعية.