عبدالرزاق الجمل
في شرق اليمن، لم تكن الحرب على الإرهاب مجرد معركة أمنية، بل تحولت إلى عنوان واسع يصلح لتبرير كل شيء تقريبا. ومنذ دخول الإمارات على هذا الخط، بدا واضحا أن الهدف لم يكن تفكيك التنظيمات المتطرفة، بل تثبيت حضور سياسي وأمني في مناطق لم تكن خاضعة لنفوذها المباشر، وعلى رأسها محافظة مأرب.
قدمت أبوظبي نفسها كطرف حاسم في هذا الملف، وحرصت على تسويق دورها إقليميا ودوليا باعتباره جزءا من «الحرب العالمية على الإرهاب». غير أن القراءة المتأنية لما جرى على الأرض تكشف عن تناقض واضح بين الخطاب والنتائج، بل وعن آثار عكسية مست مستقبل هذا الملف في اليمن. فبدل استهداف البنية الفاعلة للتنظيمات المتطرفة، اتجهت الإمارات نحو أهداف أسهل، وأقل كلفة، وأكثر قابلية للترويج الإعلامي، حتى وإن كانت هذه الأهداف قد خرجت بالفعل من دائرة العمل المسلح والأفكار المتطرفة.
منذ منتصف العام 2024، بدأ يظهر لأول مرة نشاط استخباراتي وأمني إماراتي في مأرب، قبل أن يمتد شرقا إلى وادي حضرموت ثم محافظة المهرة على الحدود مع سلطنة عمان.
هذا النشاط لم يكن علنيا، بل جرى عبر خلايا أمنية عملت سرا، واعتمدت بشكل أساسي على تجنيد أبناء القبائل، بعضهم من مأرب، وآخرون من محافظات قريبة كالجوف. وفق مصادر خاصة.
أما المهام التي تولتها هذه الخلايا فقد تنوعت بين جمع المعلومات، وتنفيذ عمليات اغتيال، وخطف، إضافة إلى استقطاب منشقين عن التنظيم للاستفادة من خبراتهم السابقة.
وفي الظاهر، بدت هذه التحركات وكأنها بداية «اختراق» حقيقي للتنظيم. لكن ما تكشف لاحقا هو أن معظم الأهداف التي تم الوصول إليها لم تكن أهدافا نوعية بالمعنى الأمني، بل لم تكن، في الواقع، أهدافا حقيقية.
ففي يونيو من العام 2025، اغتال مسلحون من أبناء القبائل القيادي السابق في التنظيم «أبو يوسف المحمدي الحضرمي» في منطقة الصمدة بوادي عبيدة، باستخدام دراجة نارية مفخخة.
العملية تم تقديمها إعلاميا كإنجاز أمني مهم، لكن مصادر خاصة أكدت أن الرجل كان قد ترك التنظيم منذ فترة طويلة، ولم يعد يشكل جزءا من بنيته التنظيمية أو العسكرية.
بعد ذلك، وفي أواخر أغسطس 2025، تم اغتيال «عبد السميع الصنعاني» في المنطقة ذاتها. الصنعاني كان بالفعل شخصية معروفة داخل التنظيم، وشغل سابقا منصب «أمير تعز»، لكن تم عزله بعد خلافات داخلية حادة، ثم غادر التنظيم واستقر في مأرب.
اغتياله، وفقا للمصادر، تم بعد فترة من خروجه من التنظيم، أي في لحظة لم يكن فيها محميا أمنيا كما لم يكن جزءا من أي نشاط مسلح.
في محافظة المهرة، تكرر المشهد باغتيال قيادي يدعى «شداد الخولاني»، تشير المعلومات إلى أنه كان قد ترك التنظيم هو الآخر منذ فترة.
وفي الحالات الثلاث وغيرها، يبرز نمط واحد: كانت خلايا الإمارات تصل إلى الأهداف التي لا تتمتع بحماية تنظيمية، ولم تعد تشغل مواقع مؤثرة، لكنها في المقابل تصلح لتقديم «إنجاز» سريع.
في الحسابات الأمنية الحقيقية، لا يمكن قياس مكافحة الإرهاب بعدد من يتم اغتيالهم، بل بمدى تفكيك المنظومة التي تنتج التطرف والمتطرفين.
وفي هذا السياق، فإن استهداف المنشقين أو المعتزلين عن العمل المسلح لا يمكن اعتباره نجاحا، بل على العكس تماما.
في كل تجارب مكافحة الإرهاب حول العالم، يعتبر تشجيع الانشقاقات والتراجعات الفكرية أحد أهم أدوات إضعاف التنظيمات، لكن ما حدث في شرق اليمن، وتحديدا في مأرب، بعث برسالة مغايرة كليةً. فالعضو الذي يفكر في ترك التنظيم، أو القيادي الذي يفكر في الانسحاب، يرى أن الخروج لا يعني النجاة بالضرورة، بل قد يجعله هدفا أسهل من بقائه داخل التنظيم. وبهذا المعنى، أسهمت هذه العمليات في إغلاق أحد أهم منافذ تفكيك التنظيم من الداخل، وحولت الانشقاق من خيار ممكن ومتاح إلى مخاطرة قاتلة.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل رافقته حملة تضخيم إعلامي للأشخاص المستهدفين، عبر منحهم صفات وألقابا مبالغا فيها، لا تعكس وزنهم الحقيقي.
جرى الحديث مثلا عن «مسؤولي تنسيق» و»خبراء متفجرات» و»قيادات للعمليات الخارجية» ..إلخ.، رغم أن بعض المستهدفين لم يكن يشغل أي موقع مؤثر في الفترة التي سبقت اغتياله.
هذا التضخيم بدا ضروريا لتعويض ضعف الأثر الحقيقي لهذه العمليات، ولإظهار الإمارات كطرف يحقق اختراقات كبيرة في ملف معقد.
في المقابل، لم يكن التنظيم غافلا عما يجري. فبحسب المصادر، ضاعف إجراءاته الأمنية على قياداته النشطة، ونقل بعضهم إلى مناطق أكثر أمنا. والنتيجة كانت أن الوصول إلى الأهداف الفاعلة بات أكثر صعوبة، بينما استمرت العمليات ضد الأهداف الهشة.
كما أن اعتماد الإمارات على أبناء القبائل المحلية لتنفيذ هذه العمليات كان من شأنه خلق بيئة مشحونة، مع فتح الباب أمام تصفيات قد تختلط فيها الحسابات الأمنية بالصراعات القبلية والشخصية، وهو ما يهدد بتحويل «مكافحة الإرهاب» إلى غطاء لفوضى أمنية طويلة الأمد.