د. إبراهيم بن جلال فضلون
في سردية إيبرون الخيالية، يتحول البشر إلى مستذئبين بفعل أفعال، تُفسد النفوس وتُخفي الخطر بين الجيران، ففي العالم الحقيقي، القرارات السياسية الخاطئة لا نحتاج إلى الخيال لفهم هذه التحولات؛ فالقرارات الخاطئة تقوم بالدور ذاته، لنراها، في صورة ضربات جوية عشوائية، تحالفات قصيرة النظر، وتجاهل إنسانيات المدنيين التي تُحوّل المدن إلى ركام وتُخفي أعداءً جددًا داخل المجتمع نفسه، كلها تعمل عداوات سياسية، لا تُغيّر الجغرافيا فقط، بل تُعيد تشكيل نزاعات البشر أنفسهم، وتحول المجتمعات إلى ساحات يتوارى فيها العدو داخل النسيج الاجتماعي. فمنذ بداية العقد الحالي تصاعدت النزاعات حول العالم، ما أعاد إلى الواجهة سؤالًا بسيطًا ومؤلمًا: هل تُولد الحروب أم تُصنع؟ النتيجة واحدة: دمار بشري ممتد.. ومهما اختلفت الزوايا، تشير نفس النتيجة إلى أن «الحروب تُصنع».
إنها شراسة الحروب في صورتها المعاصرة، كقوة مفسدة تُعيد تعريف كل شيء، فهي لا تقتل فقط؛ بل تُفسد وتُعطّل المؤسسات، تُدمّر وتُهدم البنى التحتية، وتُفقد المجتمعات قدرتها على التعافي الذاتي، وهو ما تشير إليه الإحصاءات والتقارير الدولية بأن النزاعات الحديثة شهدت ارتفاعًا غير مسبوق في أعداد الضحايا المدنيين، وتحول الحروب الداخلية إلى أدوات تستهدف السكان المدنيين كاستراتيجية بحد ذاتها، وبوصفهم أداة ضغط لا «أضرارًا جانبية». عند هذه النقطة، تتحول تكون الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل وباء اجتماعي، يخلّف ندوبًا نفسية واقتصادية تمتد عبر الأجيال.
لكن هذا الخراب لا ينشأ من فراغ. غالبًا ما يبدأ من مكاتب القرار، حين تُختزل السياسة في التكتيك العسكري. وتختار القيادة الحل العسكري كخيار أول تُكرر خطأً تاريخيًا معروف العواقب (الانتصار السريع يخلق فراغًا طويل الأمد). وبالتالي تكون قرارات الإقصاء السياسي، بدعم الفصائل المسلحة دون مساءلة كما في حالة السودان والتدخلات الخارجية، ودعم الاحتلال من أوربا العجوز وماما أميركا المتلاعبة، بفرض العقوبات الشاملة على مجتمعات كاملة، لا تُنهي الصراع، بل تُعيد إنتاجه بأشكال أكثر شراسة، فتُنتج بيئة خصبة لظهور «مستذئبين» عناصر تستغل الفوضى لتغذية العنف والجريمة كما الحال في داعش وما يحدث بسوريا الآن وقبلها العراق، بل وصل الأمر لما يمكن تسميته «المستذئبين السياسيين»؛ فاعلون يستثمرون الفوضى، ويقتاتون على انهيار القانون، ويتحولون من هامش العنف إلى مركزه، والنتيجة ليست فقط خسارة أرواح، بل انهيار ثقة المجتمع في مؤسساته، ما يزيد من احتمالات الانزلاق إلى دوامة عنف لا نهاية لها. وغالبًا ما يُستثمر سياسيًا لتثبيت السلطة عبر الخوف لا عبر الشرعية.
وبالأخير مجتمع كحقل تجارب في معركة داخلية، في صورة (الشك والبارانويا)، في مجتمعات ممزقة تبدأ باتهام بعضها بعضًا، وتتحول العلاقات الاجتماعية إلى أدوات رقابة وانتقام كما في قصص المستذئبين حيث لا يمكن التمييز بين الإنسان والوحش، فيُعاد تعريف الوطنية بوصفها صمتًا لا مشاركة، حتى يُسهّل استغلاله سياسياً من قبل من يسعون لتثبيت سلطتهم عبر الخوف.
ولكن: ما الحل، وكيف نوقف هذا المسار المرعب؟. وقف هذا المسار لا يتطلب شعارات مثالية، بل قرارات سياسية معاكسة لمنطق اللعنة.
أولًا: كبح التصعيد ووقف التصعيد السياسي والبحث عن حلول دبلوماسية حقيقية والاعتراف بأن الحل العسكري لا يصنع سلامًا، بل يؤجل الانفجار.
ثانياً: حماية المدنيين والبنى التحتية الأساسية، ليس بدافع إنساني مجرد، بل لأن تدميرها يزرع بذور صراع مستقبلي يُدمر الأجيال القادمة.
ثالثًا: المساءلة الدولية للقرارات التي تُفضي إلى جرائم حرب (وهنا القانون الدولي ميت في حالات غزة وغيرها)، فالإفلات من العقاب هو الوقود الأكثر فاعلية لإعادة إنتاج الحروب، لأن الإفلات من العقاب يُشجع على تكرار الأخطاء كما في حالة إسرائيل وقادتها، فهذه خطوات عملية، لكنها تتطلب إرادة سياسية نادرة في زمن تُغري فيه السرعة على الحكمة.
وقفة: الحروب ليست مجرد معارك ولا خطوطًا على الخرائط؛ ولا بيانات نصر عابرة، إنما هي قرارات تُشبه لعنةً تُحوّل البشر إلى أعداء لأنفسهم، قرارات تتخذها نخب، ثم تدفع ثمنها مجتمعات كاملة، فتُعيد تشكيل العالم بصورةٍ أكثر وحشية، وما لم يُعاد الاعتبار للإنسان في حسابات القوة، سيظل العالم يعيد إنتاج الكابوس ذاته من: قرارات قصيرة النظر، حروب طويلة الأثر، ووحوش لا يولدون من الأساطير.. بل من السياسة.