إبراهيم أبوهيف
خلال عام 2025، بدأ قطاع الحديد والصلب في المملكة العربية السعودية يخرج من إطار «صناعة محلية مرتبطة بالمشروعات القومية» إلى إطار أوسع في التغطيات الدولية، باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل تجارة الصلب العالمية، ونقطة جذب لتدفقات المنتجات نصف المُصنعة، وقاعدة محتملة للصناعة الثقيلة في الشرق الأوسط.
هذا التحول في زاوية التناول الإعلامي لا يعكس نموًا كميًا في الإنتاج أو الاستثمار فقط، بل يشير إلى تغير نوعي في موقع القطاع داخل سلاسل القيمة العالمية، وفي الطريقة التي تُقيم بها الأسواق الدولية دوره المستقبلي.
ولا تكتسب هذه الصورة الذهنية الخارجية أهميتها من بعدها الإعلامي فقط، بل من طبيعة المنصات التي صنعتها، فجزء من التغطيات الدولية عن قطاع الصلب السعودي خلال 2025 صدر عن وسائل إعلام اقتصادية، ومنصات تسعير سوقية، ومجلات صناعة وطاقة، وهي منصات لا تبني سردياتها على الخطاب الرسمي، بل على حركة التجارة الفعلية، واتجاهات الأسعار، وتدفقات الاستثمار، ومخاطر السوق، وهو ما يعني أن حضور السعودية في هذا النوع من التغطيات لا يعكس اهتمامًا إعلاميًا عابرًا، بل إدراجًا تدريجيًا للقطاع ضمن خرائط المتابعة والتحليل لدى الفاعلين الدوليين في سوق الصلب.
حجم التغطية الدولية عن قطاع الحديد والصلب السعودي خلال 2025
أظهر الرصد الإعلامي للتغطيات الدولية خلال عام 2025 أن قطاع الحديد والصلب في المملكة العربية السعودية انتقل من وضع الظهور العرضي في الأخبار الصناعية إلى وضع الحضور المنتظم داخل منصات المتابعة والتحليل الخاصة بسوق الصلب العالمي، وقد شمل هذا الرصد وسائل إعلام اقتصادية دولية، ومنصات تسعير سوقية، ومجلات صناعة وطاقة، وجهات قطاعية عالمية.
وبحسب العينة الإعلامية محل الرصد، بلغ عدد المواد المنشورة عن قطاع الحديد والصلب السعودي خلال عام 2025 نحو 364 مادة دولية ، توزعت بين أخبار، تحليلات سوقية، تقارير صناعية، وإحاطات قطاعية، ويُعد هذا الحجم من التغطية مرتفعًا نسبيًا مقارنة بالسنوات السابقة، ويعكس إدراج القطاع السعودي ضمن نطاق المتابعة المنتظمة لأسواق الصلب العالمية، بوصفه عنصرًا مؤثرًا في تدفقات التجارة، وحركة التسعير، وخيارات الاستثمار الصناعي الثقيل.
التوزيع الزمني للتغطية
- سجل الربع الأول من 2025 نشر 37 مادة عن قطاع الحديد والصلب السعودي، في مرحلة كان فيها الحضور الإعلامي ما يزال في طور التشكل.
- ارتفع عدد التغطيات في الربع الثاني إلى 92 مادة، بالتزامن مع تصاعد الحديث الدولي عن إعادة توجيه صادرات الصلب، وتحولات التجارة في المنتجات نصف المُصنعة.
- بلغ الزخم الإعلامي ذروته في الربع الثالث، مع نشر 162 مواد دولية، وهو ما تزامن مع تقدم مشروعات التصنيع الثقيل في السعودية، وبروزها كوجهة رئيسية لتدفقات البليت.
- حافظ الربع الرابع على مستوى مرتفع نسبيًا، مع نشر 73 مواد دولية، مدفوعًا بإطلاق مؤشرات تسعير محلية، وتكثيف النقاش الدولي حول الصلب الأخضر والهيدروجين.
- تُظـهر هذه الأرقام أن نحو 65 % من التغطيات الدولية تركزت خلال النصف الثاني من العام، بما يعكس أن الاهتمام الإعلامي لم يكن موسميًا أو مرتبطًا بحدث واحد، بل جاء نتيجة تحولات سوقية تراكمية داخل القطاع.
نوعية المنصات الدولية
- نحو 39.36 % من التغطيات الدولية صدرت عن مواقع اقتصادية كبرى مثل رويترز وبلومبرغ وسي إن إن، فاينشال تايمز، ما يعكس اختراق القطاع السعودي للخطاب الإخباري العام للأسواق العالمية.
- قرابة 15.98 % من المواد نُشرت عبر منصات تسعير سوقية مثل Fastmarkets وGMK، وهي منصات لا تتناول أسواقًا هامشية، بل تركز عادة على الأسواق ذات الوزن التجاري والتسعيري.
- حوالي 22.09 % من التغطيات جاءت من صحف اقتصادية دولية، ما يشير إلى انتقال القطاع السعودي من نطاق الأخبار المتخصصة إلى نطاق الاهتمام الإعلامي الأوسع.
- نحو 11.57 % من المواد صدرت عن مجلات صناعة وطاقة متخصصة، ركزت على مشروعات التصنيع الثقيل، والصلب الأخضر، والتحول الطاقي.
- ما يقرب من 10.97 % من التغطيات جاءت عبر جهات قطاعية عالمية مثل Worldsteel ومنصات تجارة دولية، وهو ما يعكس إدراج السعودية ضمن الخرائط المؤسسية لإدارة قطاع الصلب عالميًا.
- وتكتسب هذه التركيبة دلالة خاصة، إذ إن هيمنة منصات التسعير السوقية على نحو ثلث التغطيات تعكس انتقال السوق السعودي للصلب من خانة الأسواق الصاعدة إلى خانة الأسواق التي تستحق أدوات قياس مستقلة ومتابعة سعرية دورية، وهو معيار مهني يُستخدم دوليًا لتصنيف نضج الأسواق.
الوزن النسبي للسعودية داخل تغطيات الصلب في الشرق الأوسط
- خلال عام 2025، جاءت السعودية ضمن أعلى ثلاث دول من حيث التداول في الإعلام الدولي في قطاع الصلب.
- بلغ عدد المواد الدولية التي تناولت قطاع الصلب السعودي 364 مادة، مقابل 572 مادة عن تركيا، و93 مادة عن مصر، و322 مادة عن الإمارات، و89 مادة عن الجزائر.
- يعكس هذا الفارق تحول مركز الثقل الإعلامي الصناعي في المنطقة باتجاه السعودية، بوصفها سوقًا يتقاطع عنده فائض الصلب العالمي، وتدفقات نصف المُصنع، ومشروعات التصنيع الثقيل، ومسارات التحول الطاقي.
السرديات الإعلامية حول قطاع الحديد والصلب السعودي خلال 2025
- خلال عام 2025، ركزت نحو 32 % من التغطيات الدولية عن قطاع الحديد والصلب السعودي على دور المملكة كسوق رئيسية لتدفقات البليت والمنتجات نصف المُصنعة، وليس كسوق استهلاك فقط، وقد تكرر الحديث عن إعادة توجيه الصادرات الصينية نحو السعودية لتفادي القيود التجارية في أسواق أخرى، ما قدم المملكة بوصفها نقطة جذب لفائض الصلب العالمي وعنصرًا مؤثرًا في إعادة توزيع التجارة.
- وفي نحو 25 % من المواد المنشورة، انتقلت صورة السعودية من دولة يقتصر دورها على الطلب على الصلب إلى دولة تبني قدرات تصنيع ثقيل عالية القيمة، وتركز هذا الخطاب على مشروعات الصفائح والمسطحات الثقيلة، وعلى مشروع باوستيل تحديدًا، وعلى ارتباط هذه المشروعات بالطاقة والصناعات البحرية والبنية التحتية، وقد عكس هذا التناول أن الإعلام الدولي بدأ يعامل السعودية كقاعدة تصنيع محتملة للصناعة الثقيلة في الشرق الأوسط.
- وتعاملت نحو 18 % من التغطيات مع السوق السعودي بوصفه سوقًا ناضجًا من حيث التسعير، بعد إطلاق مؤشر خردة الصلب، وتقييم سعري لاستيراد البليت، وقد ركز هذا الخطاب على أن السوق السعودي إلى خانة الأسواق ذات المرجعيات السعرية المستقلة، وهو ما يُستخدم دوليًا كمؤشر على نضج الأسواق الصناعية واستقرارها.
- وربطت نحو 15 % من المواد بين قطاع الحديد والصلب السعودي ومسار التحول الصناعي منخفض الانبعاثات، مع التركيز على أفضلية المملكة من حيث أسعار الطاقة، وجدوى استخدام الهيدروجين في صناعة الحديد، وربط السعودية بالتحول نحو الصلب الأخضر، وقد قدمت هذه التغطيات المملكة بوصفها موقعًا مناسبًا اقتصاديًا لصناعة الصلب منخفض الانبعاثات.
- وتمحورت نحو 10 % من التغطيات حول الحوكمة والحماية التجارية، مع التركيز على رسوم مكافحة الإغراق على مواسير الستانلس، وإدراج قيادات سعودية ضمن هياكل الاتحاد العالمي للصلب. وقد قدم هذا الخطاب السعودية بوصفها طرفًا مشاركًا في إدارة القطاع عالميًا، لا مجرد سوق يتلقى القواعد من الخارج.
قطاع الحديد والصلب في الإعلام الدولي من الخطاب الوطني إلى التوجيه الإقليمي
- خلال عام 2025، جاء الخطاب الرسمي السعودي حول قطاع الحديد والصلب متسقًا مع الصورة التي بدأت تتشكل عنه في الإعلام الدولي، فبينما ركزت التغطيات الدولية على انتقال السعودية من سوق استهلاك إلى مفصل في تجارة الصلب العالمية وقاعدة تصنيع ثقيل صاعدة، جاء الخطاب الحكومي ليضع هذا التحول داخل إطار استراتيجي طويل الأجل مرتبط مباشرة برؤية المملكة 2030.
- وقد عبرت تصريحات وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف خلال المؤتمر السعودي الدولي الثالث للحديد والصلب في أكتوبر 2025 عن هذا التوجه بوضوح، من خلال التركيز على ثلاثة محاور مترابطة: تعميق الطلب المحلي عبر الصناعات الجديدة، بناء مقومات تنافسية مستدامة قائمة على الموقع والطاقة والبنية التحتية، والانتقال إلى الصناعات الخضراء.
- كما حدد الوزير سقفًا إستراتيجيًا واضحًا للقطاع عبر الإشارة إلى فرص استثمارية تتجاوز 60 مليار ريال في سبع منتجات مستهدفة، وإلى هدف إنتاج 25 مليون طن من الحديد بحلول عام 2035.
- وفي السياق نفسه، جاءت تصريحات صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير، محمد بن سلمان في ديسمبر 2025 لتضع تطوير قطاع الحديد والصلب داخل الإطار الأوسع لنمو الأنشطة غير النفطية، حيث أكد أن هذه الأنشطة واصلت دورها المحوري في قيادة النمو الاقتصادي بمعدل 4.8 %، في إطار استمرار الإصلاحات الاقتصادية ضمن رؤية المملكة 2030.
- وقد عكس هذا الطرح أن تطوير الصناعات التحويلية الثقيلة، وعلى رأسها الصلب، لم يعد ملفًا قطاعيًا منفصلًا، بل جزء من الرهان الكلي لإعادة هيكلة الاقتصاد السعودي وبناء قاعدة إنتاجية طويلة الأجل.
- غير أن التحول الأهم في هذا السياق لم يكن محصورًا داخل الخطاب السعودي، بل امتد إلى مستوى الخطاب العربي المؤسسي حول صناعة الصلب خلال 2025، فقد بدأ الاتحاد العربي للحديد والصلب يعيد توجيه خطابه من التركيز التقليدي على إدارة العرض والطلب والتقلبات السعرية قصيرة الأجل، إلى التركيز على سلاسل القيمة، والمنتجات عالية القيمة، والصناعات الخضراء، والتكامل الإقليمي في التصنيع والتجارة.