هدى بنت فهد المعجل
نحب أن نصدّق أن الأفكار الكبيرة تهبط علينا دفعة واحدة، كوميض مفاجئ يغيّر كل شيء. نسمّيها «فكرة العمر»، ونعاملها كضيف نادر: إما أن يزورك أو لا. لكن الواقع أقل درامية وأكثر صدقًا. فكرة العمر لا تأتي فجأة.. هي تتكوّن ببطء، دون إعلان.
تبدأ الفكرة الكبيرة غالبًا بشعور غامض بعدم الارتياح. شيء لا يستقر داخلك، سؤال بلا صيغة، إحساس بأن الطريق الذي تسير فيه صحيح ظاهريًا لكنه لا يشبهك تمامًا. معظم الناس يتجاهلون هذا الشعور، لأنهم لا يعرفون كيف يتعاملون مع ما لا اسم له. لكن هذا الانزعاج الصغير هو المادة الخام لكل فكرة عظيمة.
ثم تأتي مرحلة التجميع. تقرأ أشياء لا يبدو بينها رابط، تنجذب لمواضيع بعيدة عن تخصّصك، تتأثر بتجارب أشخاص لا يشبهونك. تظن أنك تتشتت، بينما أنت في الحقيقة تبني خريطة داخلية جديدة. الأفكار العميقة لا تُبنى بخط مستقيم، بل بمنحنيات غير متوقعة.
المشكلة أن المجتمع لا يحب هذا النوع من البطء. يريد منك إجابة واضحة: ماذا تريد أن تصبح؟ ما مشروعك؟ ما خطتك؟ بينما فكرة العمر لا تحتمل الأسئلة المباشرة. هي تحتاج وقتًا لتتعرف عليك أولًا، لترى كيف تفكّر حين لا يُطلب منك رأي، وكيف تختار حين لا يراقبك أحد.
في مرحلة ما، تبدأ الفكرة بالظهور في التفاصيل. تجد نفسك ترفض فرصًا «جيدة» لأنها لا تخدم شيئًا لا تستطيع شرحه. تشعر بالذنب لأنك لا تعرف السبب، لكن داخلك يعرف. الفكرة الآن أصبحت بوصلة خفية، لا تعطيك الاتجاه بالكلمات، بل بالإحساس.
وحين تكتمل، لا تأتي على شكل إعلان كبير. لا تقول: «ها أنا ذا». بل تظهر في قرار صغير: مشروع تبدأه، موضوع تتمسك به، أسلوب حياة تختاره رغم غرابته. بعدها فقط، حين تنظر إلى الخلف، تدرك أن كل تلك اللحظات المبعثرة كانت أجزاء لفكرة واحدة.
فكرة العمر لا تزورك فجأة، ولا تُفرض عليك. هي تنمو معك، تتغير كما تتغير، وتنتظر منك شيئًا واحدًا فقط: ألا تتجاهل الإشارات الصغيرة. لأن الأفكار الكبرى لا تصرخ.. هي تهمس، ومن لا يتعلم الإصغاء، يظن أنه لم يُنادَ أبدًا.