د. سامي بن عبدالله الدبيخي
في قلب مكة المكرمة المشحون روحانية وقداسة، يقف برج الساعة مرتفعًا بشموخ 607 أمتار كبوابة علمية تفتح أعين الزوار على آيات الخالق في تدبير الكون، وتبهر العوائل وأطفالهم بقصص الإنجاز السعودي المعماري الهائل والمحتوى العلمي الذي يربط بين ظواهر الكون وآيات القرآن بإشراف من الهيئة الملكية لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة.
منذ اللحظة الأولى لدخول العوائل إلى أدوار المتحف الأربعة، ينعكس على الوجوه مزيج من الدهشة والسكينة حين يأخذهم التصميم تدريجيًا من عالم الأرض إلى اتساع السماوات والمجرات. أما الأطفال الذين اعتادوا صور الفضاء في الشاشات، فيجدون أنفسهم أمام شروحات حية وصور حقيقية للنجوم والمجرات والظواهر الكونية تُعرض أمامهم بأسلوب بصري جذاب يوقظ فيهم حب الاكتشاف والتأمل في خلق الكون. وما يضفي على الزيارة متعة أكبر هو قدرة المرشدين - بمظهرهم وجمال روحهم - على تحويل الأسئلة البريئة للأطفال إلى نافذة على آية من آيات الله في الخلق.
استمتاع العوائل في «متحف برج الساعة» الأعلى في العالم، يكمن في تنقلها في مختلف الطوابق بين شاشات تفاعلية ونماذج مجسمة ومقاطع مرئية لظواهر الكون ودوران الشمس والأرض والقمر ثم علوم التوقيت ورصد الأهلة. توضح هذه المعارض التفاعلية بدقة علمية حركة الأجرام السماوية وعلاقة ذلك بحياة الإنسان وعبادته، وتقدم محتوى علمياً راقياً يبين كيف أن الدقة العجيبة لحركة الأجرام السماوية دليل واضح على عظمة الخالق وإحكام تدبيره. وهذا ما يضاعف من انبهار الأطفال وإعجابهم بكمية المعلومات المقدمة بطريقة بسيطة وممتعة.
بهذا تتحول الزيارة إلى درس إيماني حي يربط بين العلم والدين بعيداً عن السرد النظري المعقد. وهذا ما يبدد لدى الأطفال المفاهيم الخاطئة التي يكثر انتشارها على وسائل التواصل الاجتماعي حول رؤية الهلال وتحديد الشهور القمرية. ولهذا فإن لمركز علوم التوقيت ومرصد الأهلة في البرج دور أساسي في تصحيح الصورة في أذهان الزوار صغارًا وكبارًا.
أما الساعة العملاقة، الأكبر عالمياً بمساحة واجهة 43×43 متراً، فتبرز من الداخل تفاصيل هندسية وميكانيكية تجعل منها منجزًا حضاريًا يجمع بين وظيفة قياس الزمن ورمزيتها الروحية قرب الحرم. يتابع الأطفال مع والديهم بشغف شديد شرح المرشدين لآلية عمل الساعة وأنظمة الإضاءة والإشارات وأوزان عقاربها وأطوالها وزنة محركاتها وربط توقيتها بالتوقيت العالمي، وكيف أصبحت مرجعًا أساسيًا على مستوى العالم وإنجازًا حضاريًا يخدم ملياري مسلم.
في الختام، يشعر الزوار أثناء جولتهم في متحف برج الساعة وكأنهم في «رحلة كونية» تبدأ من بهو الاستقبال، مرورًا بالمعارض التفاعلية لظواهر الكون وتنتهي عند الشرفة حيث تستمتع العوائل من على ارتفاع يجاور السحاب بإطلالة ساحرة على قلب العالم الإسلامي: الحرم المكي والكعبة المشرفة، وبمشهد بانورامي خلاب على أقدس بقعة على وجه الأرض: مكة المكرمة.