د. محمد بن أحمد غروي
تصدرت سنغافورة قائمة أقوى جواز سفر في العالم عام 2026، بحسب المؤشر الصادر عن شركة «هينلي آند بارتنرز» الاستشارية العالمية للجنسية والإقامة، الذي انطلق في عام 2016 مستندًا إلى بيانات تاريخية.
ويعد المؤشر الوحيد من نوعه الذي يعتمد على بيانات حصرية من الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا)، ويشمل 199 جواز سفر مختلفًا و227 وجهة سفر متنوعة، ويُحدَّث شهريًا ويقيم مكانة جواز السفر على مقياس حرية التنقل العالمية. كما برز عدد من البلدان من شرق وجنوب شرق آسيا في صدارة الدول بالمؤشر الدولي، فبحسب التقرير الصادر في بداية العام الجاري، يُتاح لحاملي جواز سفر سنغافوري دخول 192 وجهة بدون تأشيرة، وهي الأعلى عالميًا في عدد الوجهات التي تتيحها لمواطنيها. تلتها اليابان وكوريا الجنوبية في المركز الثاني وماليزيا من بين الدول العشر الأوائل في القائمة.
وبحسب الخبراء فإن الوصول إلى الوجهات المختلفة بحرية يعتمد أساسًا على دبلوماسية فعّالة وإستراتيجية لتلك الدول، إذ تتفاوض الدول بشكل استباقي على إعفاءات من التأشيرات وتُعزز الاتفاقيات المتبادلة تستمر في الصعود، بينما ينطبق العكس على الدول الأقل انخراطًا في مثل هذه الجهود.
فتصدر سنغافورة لقائمة أقوى الجوازات عالميًا يعكس نجاحها في تحقيق سمعة دولية إيجابية جعلها تتيح لمواطنيها السفر لـ192 وجهة بدون تأشيرة بفارق أربعة بلدان عن أقرب منافسيها. فقوة جواز السفر تعكس في نهاية المطاف الاستقرار السياسي والمصداقية الدبلوماسية والقدرة على تشكيل القواعد الدولية. وتتمتع سنغافورة باستقرار سياسي عال وسمعة دولية مميزة، وبحسب مؤشرات حديثة فإن نسبة الاستقرار السياسي وانعدام العنف والإرهاب في سنغافورة وصل 97.16 % عام 2023، وفقًا لبيانات البنك الدولي لمؤشرات التنمية. كما تصدرت سنغافورة في 2024 تصنيف الحكومات الأكثر فاعلية حول العالم من بين 100 حكومة حسب مؤشر تشاندلر للحوكمة الرشيدة (CGGI)، وتفوقت سنغافورة في عدد من التقييمات التابعة للمؤشر مثل القيادة والاستشراف، والتي تتضمن قادة يتمتعون بالأخلاق والقدرة على التكيف ولديهم رؤية طويلة الأمد؛ والمؤسسات القوية، مثل الوزارات والدوائر الحكومية والهيئات الرسمية؛ وسوق جاذبة، والتي تشمل خلق فرص العمل والابتكار والفرص. كما تحظى سنغافورة منذ استقلالها بحزب حاكم كفؤ وقوي وذي رؤية واضحة كان قادرًا على تحسين الاقتصاد الوطني ومستوى معيشة الشعب، وأن يكون قوة موحدة قوية للمجتمع.
وعلى جانب آخر عُرفت سنغافورة بقوتها الاقتصادية وارتفاع مستويات المعيشة بين سكانها، ما ساعد في قوة جوازها على الصعيد الدولي.
وتؤكد الأرقام قوتها الاقتصادية، ففي العام الماضي تُوّجت سنغافورة بلقب أغنى دولة في العالم لعام 2025، استنادًا إلى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. وسجلت سنغافورة رقمًا قياسيًا بلغ 156,760 دولارًا أمريكيًا للفرد، وفقًا لتقرير صادر عن شركة «جلوبال فاينانس» الأمريكية.
وأبرز التقرير أن ثروة سنغافورة لا تعتمد على الموارد الطبيعية، بل على موقعها الاستراتيجي على طول طرق الشحن الرئيسية في العالم، مما يجعلها مركزاً حيوياً للتجارة الدولية، كما تُعدّ سنغافورة مركزًا تجاريًا وصناعيًا وماليًا مزدهرًا. وفي تطورٍ أكثر إيجابية، بلغت نسبة المتعلمين 98 % من السكان البالغين.
كما يُساهم انخفاض معدل الجريمة وارتفاع مستوى الأمن في المدينة الدولة في تعزيز قوة جواز سفرها. وبفضل سمعتها في مجال الأمن والنظام، ينظر إلى المواطنين السنغافوريين نظرة إيجابية من قِبل الدول التي تطبق ضوابط هجرة أكثر صرامة.
فيما تتمتع سنغافورة بعلاقات مميزة مع مختلف الاقتصادات الكبرى كالولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، مما مهد الطريق أمام شروط تأشيرة ميسرة، وبصفتها عضواً مؤسساً في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، عززت سنغافورة دورها كلاعب رئيسي في الدبلوماسية الإقليمية والعالمية.
وحققت ماليزيا أيضا إنجازًا هذا العام بتصدرها ضمن الدول العشر الأوائل في المؤشر العالمي، للمرة الأولى في تاريخها. إذ أكدت إدارة الهجرة الماليزية، أن وجودها في هذا الترتيب المتقدم يعكس مكانة البلاد الدولية الراسخة ومستوى الثقة الذي تحظى به عالميًا. تُعدّ ماليزيا مركزًا إقليميًا للتصنيع والتجارة، إذ تتمتع بقوة عاملة ماهرة، وقوة شرائية مستقرة، وصورة سياحية مسؤولة. تُسهم هذه المزايا في تعزيز الثقة الدولية بحاملي جوازات السفر الماليزية. وقد ساهمت الجهود الدبلوماسية في ترسيخ هذه الميزة. تسعى ماليزيا بنشاط إلى تعزيز الانخراط متعدد الأطراف، وتوطيد علاقاتها مع الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا، مع الحفاظ على علاقات وثيقة مع الدول الغربية. رغم صغر مساحة تلك الدول وعدم تأثيرها السياسي الكبير على الساحة العالمية، تزيد ثقة العالم بها من خلال فرص الاستثمار بسبب الاستقرار السياسي وانخفاض معدلات العنف والجريمة، ما يؤهلها للاستمرار في الحفاظ على نموها الاقتصادي في السنوات المقبلة.