د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
لم تعد الراديكالية مصطلحًا نخبويًا محصورًا في الكتب السياسية، بل أصبحت ظاهرة فكرية تتسلل إلى الخطاب العام، وتؤثر في طريقة فهم الناس للواقع، وتدفع ببعضهم إلى مواقف حادة لا تحتمل الاختلاف ولا تعترف بالتنوع.
الراديكالية، في جوهرها ليست مجرد تشدد في الرأي، بل هي اختزال للفكرة إلى أقصاها، وتجريد للعقل من قدرته على الموازنة. فهي لا ترى إلا الأبيض أو الأسود، ولا تعترف بالمناطق الوسطى التي تعيش فيها أغلب الحقائق، وتُحلّ فيها أعقد الإشكالات.
وغالبًا ما تبدأ الراديكالية من نية يظن صاحبها أنها صادقة؛ رغبة في الإصلاح، أو دفاع عن قيمة، أو اعتراض على خلل واقعي. لكنها حين تُدار بلا منهج، وبلا وعي بالمآلات، تتحول من طاقة تصحيح إلى أداة هدم، ومن موقف فكري إلى حالة إقصاء.
وفي عصر تتسارع فيه المنصات، وتُكافأ فيه العبارات الصادمة، تجد الراديكالية بيئة مثالية للنمو؛ إذ يُعاد إنتاجها على أنها جرأة، ويُسوَّق لها بوصفها وضوحًا، بينما هي في حقيقتها يقين مغلق، لا يسمع إلا ذاته، ولا يحتمل المراجعة أو النقد.
واللافت أن الراديكالية لم تعد حكرًا على تيار أو اتجاه بعينه؛ فقد تتجلى في خطاب ديني، أو سياسي، أو اجتماعي، بل حتى في مواقف يومية بسيطة، حين يتحول الرأي إلى معركة، والاختلاف إلى خصومة، والمخالف إلى خصم دائم.
إن المجتمعات لا تتماسك بالراديكالية، بل تتصدع بها. فالأفكار الحادة قد تُحرّك المشاعر سريعًا، لكنها تعجز عن بناء وعي مستقر، أو إنتاج حلول قابلة للاستمرار. ولهذا فإن أخطر ما في الراديكالية ليس حدتها، بل قدرتها على إضعاف الثقة، وتغذية الاستقطاب، وإرباك الأولويات.
ومواجهة الراديكالية لا تكون بإقصاء مقابل، ولا بتشدد مضاد، بل بترسيخ ثقافة الاعتدال الواعي، الذي يفرق بين الثبات والتصلب، وبين الدفاع عن المبادئ وتحويلها إلى أدوات صراع. اعتدال لا يُلغي الخلاف، لكنه يضبطه، ولا يُضعف القناعة، لكنه يفتح لها باب المراجعة.
فالفكر الذي يخاف من الحوار، ويضيق بالاختلاف، ليس فكرًا قويًا كما يُتصوَّر، بل هشٌّ في داخله. أما المجتمعات التي تحسن إدارة التنوع، وتؤمن بأن الحقيقة أوسع من رأي واحد، فهي الأقدر على الاستقرار، والأقرب إلى النضج.