رسيني الرسيني
تأتي الإستراتيجية الوطنية للتخصيص بوصفها أحد المسارات التحولية التي نراهن عليها لإعادة تشكيل مشهد الخدمات العامة، ليس فقط من زاوية الكفاءة الاقتصادية، بل من منظور إنساني وتنموي أشمل.
فهي تسعى إلى الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين والزائرين، وخلق قيمة مضافة مستدامة للاقتصاد والمجتمع، عبر بناء منظومة تخصيص جاذبة لرؤوس الأموال المحلية والدولية. وتنطلق الإستراتيجية من رؤية طموحة تتمثل في جعل المملكة مرجعًا عالميًا في تخصيص البنى التحتية والخدمات العامة، من خلال إتاحة الأصول المملوكة للدولة أمام القطاع الخاص، ورفع كفاءة الخدمات، وتقليص الدور التشغيلي للحكومة لصالح دورها التنظيمي والرقابي، بما يعزز الاستدامة المالية ويدعم مسار التنمية الاقتصادية طويلة الأجل.
شكّل اعتماد نظام التخصيص في عام 2021م نقطة تحول مفصلية في بناء الإطار التشريعي المنظم للعلاقة بين القطاعين العام والخاص، إذ أرسى قواعد الحوكمة وقلّل من مخاطر الاستثمار، ما انعكس إيجابًا على ثقة السوق. وفي عام 2023م، جاءت محفظة المشاريع لتترجم هذا الإطار إلى مسار تنفيذي واضح، يتيح للقطاع الخاص قراءة الفرص بوضوح وتقدير العوائد والمخاطر. ومع إطلاق الإستراتيجية الوطنية للتخصيص، تنتقل المملكة من مرحلة التأسيس المؤسسي إلى مرحلة النضج والتنفيذ، عبر استهداف عدة قطاعات بشكل يعكس فهمًا أعمق لدور التخصيص كأداة لتعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي والمالي، وتحفيز النمو، ورفع كفاءة تخصيص الموارد العامة.
تستهدف الإستراتيجية الوطنية للتخصيص رفع حجم الاستثمارات الرأسمالية للقطاع الخاص بحلول عام 2030م لتتجاوز 240 مليار ريال، من خلال توسيع الشراكات ونقل ملكية الأصول وتنويع نماذج التخصيص. ويكتسب هذا التوجه بعدًا اقتصاديًا مهمًا، إذ يسهم في تخفيف العبء المالي عن الميزانية العامة، وتسريع تنفيذ المشاريع، وتحسين جودة الخدمات والبنية التحتية. إذ تشمل الإستراتيجية أكثر من 140 فرصة استثمارية موزعة على 18 قطاعًا حيويًا مثل: الاتصالات، والإعلام، والبلديات، والإسكان، والنقل العام. ففي قطاع التعليم، يركز التخصيص على تطوير وبناء المرافق التعليمية من قبل القطاع الخاص، بينما ينصب دور وزارة التعليم على العملية التعليمية ذاتها، وفي قطاعي الدفاع والداخلية، يتجه التخصيص نحو تطوير البنية التحتية ورفع كفاءة التدريب والخدمات في مراكز تعليم القيادة.
ويتجسد هذا التوجه عبر أمثلة متعددة تمتد آثارها إلى قطاعات إستراتيجية مختلفة. ففي قطاع المطارات، يبرز مشروع مطار أبها ومطار الطائف، كما تضم محفظة التخصيص أيضاً منطقة لوجستية في الدمام، ضمن مساعي تحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي.
وفي الرياضة، جرى تخصيص سبعة أندية، مع استمرار استلام العروض، إضافة إلى مشروع الجسر البري، بوصفه مشروعًا وطنيًا يعزز تكامل النقل ويربط بين السواحل الشرقية والغربية، وغيرها من الفرص التي تنعكس بشكل إيجابي على تنويع مصادر الدخل غير النفطي، وخلق فرص عمل نوعية، ورفع مستوى التنافسية، وتحفيز النمو الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل.
حسنًا، ثم ماذا؟
يسهم التخصيص في رفع كفاءة استخدام الموارد من خلال نقل التشغيل إلى القطاع الخاص الأكثر مرونة وقدرة على الابتكار، ما يؤدي إلى خفض التكاليف وتحسين جودة الخدمات.