د. فهد صالح عبدالله السلطان
في المشهد الحالي للأحداث الإقليمية الأخيرة وفي شهر واحد فقط من هذا العام شهد العالم أحداثاً ومستجدات تاريخية مهمة وخطيرة ربما ليس لها سابقة تاريخية، شملت أحداثاً جيوسياسية وتحالفات دولية وخلافات إقليمية وأخرى اقتصادية وحروب عملات وارتفاع أسعار بعض المعادن النفيسة بشكل لافت ونزولها بشكل راديكلي مفاجئ.. ارتفع سعر عملة الذهب إلى أعلى مستوى له منذ بداية التاريخ وتراجعت قيمة الدولار إلى مستوى لم يسبق له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية.. فشلت فيها دول في تحقيق أهدافها وحققت الأخرى مستهدفاتها ونمت علاقاتها، حقق فيها بعض المستثمرين من الأفراد مكاسب مادية كبيرة وخسر آخرون،.. وقت ازدادت فيه الأطماع والكراهية وكثر فيه الأشرار واختفى في ظلامه الأخيار وغاب فيه النظام الدولي.. من يصدق أن هذه الأحداث كلها حدثت خلال مدة قصيرة جداً في عمر الزمن لا تزيد على ثلاثين يوماً؟
أحداث جسيمة يتعين على القادة قراءتها بشكل متأنٍ وتوظيفها التوظيف الأمثل خاصة ونحن في زمن بان فيه ضعف الكيان الأممي أعني هيئة الأمم المتحدة وتراجع قدرتها على إدارة الأحداث فوق الأممية وهو أمر سبق للكاتب أن نبه إليه وحذر منه وأوضح بالحقائق والأرقام أن الأمر يتطلب وبشكل عاجل إعادة هيكلتها وذلك في مقال نشر بجريدة الجزيرة بتاريخ 16-12-2018..
لم تكن الأحداث كلها سلبية فقد انكشف بفضل الله زيف دولة الاحتلال وادعائها المظلومية وأنها تعيش في محيط بربري غير محب للسلام وأصبح العالم ينظر إليها على أنها هي البربرية المتوحشة حقا. انكشف الغطاء عن المستور وتبين من هم وكلاؤها الإقليميون ويدها المخلصة الملطخة بدماء الأبرياء، يد خرجت عن الصراط المستقيم ومدت يدها لأعداء الأمة والملة وسخرت أموالها وعتادها لتخريب الدول وزعزعة أمن المنطقة. وفي المقابل اتضح للعالم أن هناك دولا تعمل بصمت من أجل تحقيق الأمن والسلام الإقليمي والعالمي، وبدأ الكثير يتساءل عن الأسرار الكامنة وراء قوة هذه الدولة وقيامها لوحدها بإعادة كثير من الأمور إلى نصابها. أحبها واحترمها الكل وأقرها الكل.
أملنا من القادة الأفاضل هو الوقوف على هذه الأحداث وقراءتها بشكل متأنٍ، لأن ذلك سيساعد على جلاء ووضوح الصورة في المشهد السياسي العالمي وبالتالي تصحيح كثير من الأمور التي خرجت عن سيطرة المنظمات فوق الأممية.. جميل أن يتعرف القادة والساسة والنخبويون عن قرب على بلد فريد تختلف خصائصه ومكوناته عن جميع دول العالم.. بلد لم يكن نسخة من أي بلد آخر ولا يمكن استنساخه من أي قطر آخر!
من ظن أن ذلك نوع من المبالغة أو التنظير فليقرأ هذه الحقائق المذهلة المختصرة:
1 - المملكة العربية السعودية هي البلد الوحيد في الكرة الأرضية الذي ينتمي إليه أكثر من مليار وستمائة مليون نسمة من سكان الكوكب يحبونه ويحترمونه ليس لأسباب عسكرية أو حسية أخرى، بل لارتباط عقدي روحي وإيمانا برسالته وبالمقدسات التي يحميها ويديرها هؤلاء المسلمون في كل مكان في العالم يسمعون رسالة المملكة بقلوبهم لا بآذانهم ويسخطون لسخطها ويرضون لرضاها ويسمعون خطابها الديني في كل جمعة ويفدونها بأرواحهم وأجسادهم.. هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعيش في قلب ربع سكان الكرة الأرضية، كل مسلم يصلي إليها في اليوم خمس مرات وينظر إليها على أنها وطنه الروحي ونور فؤاده.. وهو ارتباط فريد من نوعه ليس له مثيل في أي مكان أو زمان... هدف كل منهم هو الحج إليها والتقرب إلى الله في زيارة مقدساتها بل يتمنى الكثير منهم أن يموت على أرضها.. ولم ولن ينافسها على هذه المكانة أحد حتى نهاية التاريخ، ومن يطمح في منافستها على ذلك فقد خذله عقله وظلم نفسه.. وهذه الخاصية الروحية جعلتها موطناً لكل الأعراق والثقافات مما جعلها في قلب الحدث تجاه السلام العالمي.
2 - المملكة تحتضن مكة والظهران. فهنا الروح وهناك الثروة، وفي اجتماعهما الغنى والسلام والتمكين والنصرة.
3 - تاريخيا، المملكة بلد سلم وسلام رغم قوتها الضاربة.. لا تعتدي على أحد ولا تتدخل في شئون خاصة ولا تمد يدها لثوار أو مخربين من قريب أو بعيد.. عندما سئل أحد رؤساء دول المنطقة البارزين عن سبب حبه للمملكة أجاب لأنها بلد سلمي ليس لها أطماع خارج حدودها.
4 - المملكة تشهد استقراراً سياسياً فريداً منذ أكثر من مئة عام.. لم تكن في يوم ما مرتعا للغزاة ولا أرضا للمحتلين ولا هدفا للمستعمرين.. لم يكن ذلك عائدا لقوة عسكرية فقط رغم توفرها بل لإيمانها الراسخ ووحدة شعبها.. قلة هم الذين يعرفون طبيعة النموذج السياسي للمملكة.. نموذج فريد لا يدركه كثير من الإعلاميين خارج المملكة. ففي سياقها البنيوي، المملكة تمثل نموذجا سياسيا فريدا في العالم فمجتمعها يتشكل على هيئة أسرة يقودها أب يعد الجميع أبناءه وبناته وينظر إليه الجميع بمنظور الأبوة والقيادة.
5 - المملكة تحتضن مجتمعاً فريداً يحمل قيماً اجتماعية رائعة ويتميز بالجدية والاستقامة والانضباط، وقد أشار إلى ذلك السفير الأمريكي في الثمانينيات في نهاية فترته عندما سئل عن المملكة فقال: إنه يتمنى تربية أبنائه فيها.
6 - في الجانب الاقتصادي، المملكة تسيطر على ربع احتياطي النفط العالمي وتضع ذلك كله في خدمة استقرار الأسعار العالمية وهو ما يصب في خدمة كافة الشعوب. كما أن المملكة تحتل مرتبة متقدمة في حجم الصادرات والواردات العالمية (واحدة من أكبر 25 دولة).
7 - عن البعد الجغرافي والإستراتيجي، المملكة تحتل مركزاً جغرافياً فريداً فهي بوابة الشرق والغرب ومحور حركة التجارة العالمية. وقد سخرت هذا الموقع في خدمة حركة الاقتصاد والتجارة العالمية وأنشأت طرقاً وسككاً حديدية وموانئ تصب في خدمة الاقتصاد العالمي.
8 - المملكة بلد مفتوح على ثقافات الآخرين وحضاراتهم، ففي تراثنا «الحكمة ضالة المسلم أنى وجدها فهو أولى بها». حالياً، يعيش بيننا ويعمل معنا أكثر من 123 جنسية يشاركوننا في بناء حضارتنا ونقاسمهم خيرات بلدنا.
ولذلك بقيت المملكة بلدا منصورا على مر الزمن وخسر وخذل (بضم الخاء) كل من شاكسها أو مد يد السوء إليها. ليست هذه أمنية مواطن ولا تنظير كاتب بل هو تاريخ مشهود وحقيقة جلية. وهذه هي النتيجة الطبيعية إن عاجلا أو آجلا عندما يكون الصراع بين الحق والباطل.
وبعد كل هذا، من هو الجاهل الذي يتردد في مد يد السلام والمحبة لهذا البلد الفريد فضلا عن أن يحاول مناكشته؟
وخلاصة القول فإن يقيننا ويقين ربع سكان المعمورة الذي لا يساوره شك هو أن الله سينصر ويخزي أعداء هذا الوطن وسيبقى عزيزا شامخا وسيندحر الأعداء وأعوانهم من المنافقين والمرجفين في الأرض كما اندحر أسلافهم ممن أغراهم الشيطان وخذلتهم عقولهم وأسقطتهم قيمهم ومال بهم عن طريق الحق هواهم، ذاك لأن بلدنا بلد سلم يعين المحتاج وينشر الهدى ويحارب الرذيلة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}.. وفي الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وعد من الله بنصرة من ينصره {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ}. ومن المعلوم بالدليل والتاريخ أن من نصره الله فلا غالب له {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ}.
نعم هذه هي المملكة العربية السعودية.. بلد استعصى ويستعصي على العدو ويمد يد المحبة والعون لأهل السلم والسلام.
وبعد أيها القادة الأفاضل لقد عشتم المشهد الإقليمي والعالمي والحدث بكل أبعاده وتفاصيله ورأيتم بأم أعينكم كيف أن الحق منصور والباطل مخذول وألا يصح إلا الصحيح طال الزمن أو قصر!.. فهل من قراءة لدرس يناير؟