عايض بن خالد المطيري
الشكوى من «غياب البركة» في الرواتب تكاد تتحول إلى لازمة اجتماعية تتكرر مع مطلع كل شهر. والغريب أن صداها لا يقتصر على أصحاب الدخول المحدودة، بل يمتد إلى موظفين يتقاضون رواتب مجزية.
عندها يطرح السؤال نفسه بوضوح: هل المشكلة في قيمة الراتب فعلًا، أم في طريقة كسبه واستحقاقه؟
الواقع يكشف أن كثيرًا من الموظفين يخلطون بين مفهوم الأجر ومفهوم الاستحقاق. حضور متأخر، انصراف مبكر، ثم يأتي آخر الشهر ليطالبوا ببركة غائبة! فأي بركة تُرجى من رزق لم يُبذل له جهد حقيقي؟
ولعل الميدان التعليمي أوضح صورة لهذه الإشكالية. حين فرضت وزارة التعليم برنامج «تطبيق حضوري» على الأجهزة الذكية لضبط وقت المعلمين والمعلمات، ضج البعض بالاعتراض، بينما كان الهدف المباشر هو ضمان انضباط العملية التعليمية. لكن الحقيقة الأعمق أن القرار يذكّر بمبدأ جوهري الأجر مرتبط بالأمانة. فمن يدخل فصله حاضرًا جسدًا وروحًا، ويؤدي رسالته بصدق، يبارك الله له في رزقه قبل أن يباركه البشر بكلمة شكر.
والرسول - صلى الله عليه وسلم- لخّص المعادلة منذ قرون بقوله: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». والعرق هنا ليس مجرد تعب بدني، بل رمزٌ لكل صدق وإخلاص في العطاء.
وفي زمن تُقاس فيه الأشياء بالأرقام، أشارت دراسة محلية حديثة (2023) إلى أن الموظفين الأكثر التزامًا بالدوام والإنتاجية يعيشون استقرارًا ماليًا ونفسيًا أكبر مقارنة بغيرهم. هذه ليست معجزة ولا «شعورًا نفسيًا»، بل نتيجة طبيعية لميزان عادل من جدّ وجد، ومن التزم بورك له.
يبقى السؤال الذي يطرق الضمير قبل أن يلامس العقل حاضرًا: هل ما يدخل إلى جيوبنا حقٌّ خالص نستحقه، أم أن جزءًا منه قد تسرّب في غيابٍ أو تأخّرٍ أو انشغال؟ فراتبنا قد يكثر أو يقل، لكن البركة لا تُمنح إلا لمن صانه بعرقٍ صادق وجهدٍ مخلص. ومن هنا جاء تطبيق «حضوري» ليغرس الانضباط ويستجلب البركة في رواتب الكوادر التعليمية والإدارية.