د. أحمد محمد القزعل
يا وردة الحياء.. يا نبتة نادرةً نمت في قلب الوجود وسقتها الفطرة بماء النقاء، يا ظلاً رقيقاً يستر الجمال ليزيده جمالاً.. يا سِرَّ الطهر في وجه الإنسان، يا نغمةً من نَفَس السماء، لماذا كدنا نفتقدك ؟ لماذا أصبحنا نستحي من الحياء؟
فيما مضى كان الحياء لغة الأرواح الراقية التي لا تحتاج إلى ضجيج لتُعبّر عن نفسها، بل تكتفي بالصمت حين يجب، وبالانحناء حين يُخطئ الآخر، وبالاعتذار قبل أن يُطلب منها.
الحياء يا وردتي، هو الحُبّ في صورته الأسمى، هو الحُبّ حين يصبح عفافاً، حين يتزيّن القلبُ بالرفق قبل الزهو، وباللطف قبل الجرأة.
الحياء.. نبض الإنسانية الخفية، الحياء ليس ضعفاً كما يظنّ البعض، بل هو قوة الروح على تهذيب نفسها، أن تقول: لا، بصمت حين يُغريكَ الباطل، وأن تقول: نعم للخير دون انتظار تصفيق، هو فضيلة لا تُعلَّم بالكلمات بل تُورث بالقدوة.
حين ترى رجلاً يغضّ بصره احتراماً، أو امرأةً تُزينها الرصانة أكثر من الزينة، حين تسمع طفلاً يعتذر بخجل صادق عن خطأ ارتكبه، هناك ترى الحياء في أبهى صوره إنه حياء القلب لا الخوف.
الحياء لا يسكن الجسد وحده بل يسكن النوايا قد يبدو المرء صامتاً متواضعاً لكنه في داخله يتباهى بصمت ذاته، وآخرُ قد يتكلم بثقة لكنّ كلامه مغسول بماء التهذيب لا كِبر فيه ولا ادّعاء.
يا وردة الحياء، كنت دوماً لغةَ للقلوب التي تُحبّ بصمت وتفهم بالعاطفة، لقد بدأ ضياعك يوم ظنّ الناس أن الجرأة هي الحرية، وأن البوح بكلّ شيء هو الصدق، وأن الذي لا يخجل هو: قويّ الشخصية، وللأسف أصبح الحياء في هذا الزمن يُتّهم بالتخلّف، وصار التباهي فضيلةً في عيون عمياء عن الجمال الهادئ.
أصبحنا نكتشف مشاعرنا وخصوصياتنا وحتى قلوبنا على شاشات باردة، نطلب الإعجاب لا الاحترام، لكن ماذا فقدنا ؟ فقدنا ذاك الشعور بالرهبة أمام الجمال، فقدنا تلك الرعشة النقية التي كانت تسبق الاعتراف بالمشاعر، فقدنا الأدب مع أنفسنا قبل الناس.
الحياء لا يمنع الإنسان من أن يعيش، بل يمنعه من أن يُفرّط بكرامته وهو يعيش، يمنعه من أن يستهين بقدسية روحه، ويذكّره أن الحرية ليست أن تقول كلّ ما تريد، بل أن تعرف متى تصمت بحكمة.
ومهما كان سوف يبقى الحياء هو النغمة التي تعيد الإنسان إلى أصله الطيّب، إنه المرآة التي تذكّرك كلّما نظرت إليها: كن جميلًا من الداخل كما تبدو في الخارج، وحين يتحلّى المعلّم بالحياء يصبح التعليم رسالة لا مهنة، وحين تتحلّى الأمّ بالحياء تغرس في طفلها أدبًا لا يُمحى، وحين يتحلّى الشابّ والفتاة بالحياء ينجو الحبّ من الزيف وتُزهر القلوب من جديد.
الحياء لا يحتاج إلى مظاهر يكفي أن تسكنه في نظرتك وحديثك وسلوكك، حتى يُصبح العالم أكثر دفئاً وطمأنينة، ولا يزال في القلوب ربيع ينتظر أن تزهر فيه من جديد وردة الحياء، ربما هي حكاية حب قد ضاعت، لكنّنا ما زلنا نبحث عنها في أنفسنا كلّ صباح.