خالد بن عبدالرحمن الذييب
في عام 2022، كتبتُ مقالاً بعنوان «فضاءات الكتب.. العالم في عام 2050»، مستعرضاً رؤية «لورنس سميث» من خلال كتابه الذي يحمل نفس الاسم، والذي استشرف فيه تحول الشمال القطبي إلى مركز ثقل عالمي نتيجة تناقص الموارد. واليوم، نجد أنفسنا أمام مفارقة زمنية مذهلة؛ فما توقع حدوثه في منتصف القرن، انفجر دفعة واحدة في عام 2026، مما جعلنا نعيش أحداث 2050 قبل موعدها بربع قرن.
تاريخياً، ارتبطت جرينلاند بالأمن القومي الأمريكي برابطة وثيقة بدأت منذ حماية واشنطن لها في الحرب العالمية الثانية، وهو ما يفسر «العنفوان السياسي» الذي يبديه الرئيس ترامب حالياً. فهو لا يرى في الجزيرة مجرد مساحة جغرافية، بل «فرصة استراتيجية» يخشى أن تقتنصها القوى المنافسة مثل روسيا والصين، وهو ما عبّر عنه بصراحة حول حتمية التحرك الأمريكي لحماية المنطقة من التغلغل الشرقي، معتبراً إياها منطقة «ليس لها والي» في ظل عجز الدنمارك عن مجاراة الأطماع الدولية.
بيد أن الواقع الحالي كشف عن ثغرة في مثالية سميث؛ فقد تنبأ بأن حدود الشمال ستظل «الأكثر وداً في العالم»، لكن تسارع السباق نحو المعادن النادرة جعل من تلك الحدود ساحة لتجاذب الإرادات.
وهنا تبرز مفارقة وجودية لسكان الجزيرة الأصليين «الإينويت»؛ فرغم حلمهم التاريخي بالاستقلال التام، إلا أنهم يدركون اليوم واقعاً مريراً؛ فالدنمارك، «الحامي الضعيف» وذو الماضي الاستعماري، تبدو في ظل التهديدات الراهنة الخيار الأقل سوءاً. إنهم يخشون أن يتحول حل الاستقلال عن كوبنهاغن اليوم إلى مشكلة تلقي بهم كفريسة سهلة أمام «وحوش» القوى العظمى التي لا ترحم ولا تقيم وزناً لخصوصيتهم الثقافية. لذا، يجد الإينويت أنفسهم مضطرين لتأجيل أحلام السيادة الكاملة، مفضلين الاحتماء بالمظلة الدنماركية- الأوروبية كخيار استراتيجي للبقاء.
إن هذا التصعيد، رغم حِدّته، لا يعني بالضرورة قرع طبول الحرب؛ فالواقعية التي تحكم القوى العظمى تشير إلى أن الصراع سيبقى في إطار «الدبلوماسية الخشنة» والصفقات الكبرى، حيث تدرك واشنطن أن تكلفة الصدام في بيئة قطبية قاسية ليست هينة.
أخيراً..
أصاب سميث في تقدير أهمية «الكنز الشمالي»، لكنه لم يتوقع تسارع الزمن ليعيد رسم الخريطة بلغة المصالح والواقعية الاقتصادية.
ما بعد أخيراً..
جرينلاند «طاولة مفاوضات» كبرى ومجمدة، مع الوقت.. قد يذوب الجليد.. وقد يكسر!