د.شريف بن محمد الأتربي
انقضى الفصل الدراسي الأول من العام الدراسي الجاري 2025-2026، وحصل الطلبة والمعلمين على إجازة نصفية لترتاح العقول والأبدان برهة قبل مواصلة رحلة التعلم الشائقة والشيقة في نفس الوقت، فهي رحلة ممتعة وشيقة لمن أحب العلم والتعلم، وانتظر الفرصة ليتعلم، وهي شائقة لكلا الطرفين؛ الساعي والرافض للتعلم، فهناك من يبحث عن النهاية السعيدة، وهناك من ينتظر فرصة الهروب المريرة، إلى عالم الضياع والجهل والتخلف، ليس لأنه ضعيف ولا فاشل؛ ولكن لأنه لم يجد من يعرف مفاتحه، ويحفز مداركه، ويسخر مهاراته.
يُعتبر إعداد تقرير يُعبر عما تعلمه الطلبة خلال الفصل الدراسي وسيلة فعّالة لتقييم الفهم ونقل المعرفة المكتسبة، حيث يُساعد هذا النوع من التعبير الطلبة على مراجعة ما اكتسبوه من علوم ومعارف، ويُحفزهم على التفكير النقدي وإعادة تحديد تجاربهم التعليمية الناجحة والاستمرار فيها، ومحاولة استكشاف نقاط الضعف، أو تلك التي تحتاج إلى دعم وتقوية وتلافيها.
يتميز إعداد التقرير التعلُمي من قبل الطلبة بعدة فوائد، حيث يمكن أن يُعطي التقرير للمعلمين صورة واضحة عن مدى استيعاب الطلبة لأهداف التعلم من خلال كتابة التقرير، كما يُتاح للطلبة أيضاً فرصة تنظيم ما تعلموه، مما يساعد المعلمين على تحديد نقاط القوة والضعف في تحصيل الطلبة وبناء خطط تعليمية أكثر عمقا، وأكثر تفريدا.
تعزز كتابة التقارير المهارات الكتابية لدى الطلبة، وهي أحد أهداف العملية التعليمية، فكتابة التقارير تُساهم في تطوير مهارات الكتابة والتعبير، حيث يحتاج الطلبة إلى تنظيم أفكارهم بشكل منطقي، مما يعزز قدرتهم على التواصل الكتابي، وكذلك صحة اللغة.
تنعكس كتابة التقارير على الطلبة بأنفسهم أيضا، فهو يشجعهم على التفكير في تجربتهم التعليمية، مما يُساعد في تطوير مهارات التعلم الذاتي وتحديد الأهداف المستقبلية، وهو ما يسمى تحفيز الانعكاس الذاتي.
كتابة التقارير ليست آلية، أو استراتيجية أو نهج جديد، بل هناك العديد من التجارب والنماذج الدولية منها التجربة الكندية، حيث تُعتبر كندا من الدول التي تشجع الطلبة على تقديم تقارير نهاية الفصل الدراسي. يطلب المعلمون والإدارة المدرسية من الطلبة كتابة تقرير شامل حول ما تعلموه في مختلف المواد، ومن ثم تحليل هذه البيانات، وبناء خطط تصحيحية لهؤلاء الطلبة، وبناء عليه تم رصد تحسن في مستوى الوعي لدى الطلبة بتحصيلهم الأكاديمي واهتمامهم بالتعلم الذاتي، فبحسب دراسة من «جامعة مكغيل» (McGill University)، فإن تقارير الطلبة تُعزز من الفهم العميق لمفاهيم التعلم. تأتي التجربة أو نموذج سنغافورة، كواحدة من أنجح النماذج القائمة على التغذية الراجعة من الطلبة بأسلوب كتابة التقارير، حيث يُطلب من الطلبة في المدارس الثانوية إعداد تقارير عن مشاريعهم وموضوعات دراسية معينة تمثل تجربتهم التعليمية، ورحلتهم العلمية.
تعزز هذه العملية تطوير التفكير النقدي ومهارات البحث لدى الطلبة، مما يعمل في النهاية على تحسين الأداء الأكاديمي. تشير تقارير وزارة التعليم السنغافورية إلى أن الطلبة الذين يشاركون في كتابة التقارير يُظهرون انغماسًا أكبر في المواد، وتحسنا في مستوى التحصيل الدراسي الناتج عن التعرف على الذات.
خلال الأعوام القليلة الماضية تصدرت التجربة الفنلندية المشهد في تجارب التعليم الناجحة، بل ويعد نموذج فنلندا من أنجح النماذج التعليمية المتمحورة حول الطالب نفسه، حيث يتم شجع الطلبة على كتابة تقارير تُعبر عن تجربتهم التعليمية، ووفقًا لدراسات من جامعة هلسنكي، فإن توفير الوقت الكافي لكتابة هذه التقارير قبل بدء الفصل الدراسي الجديد يُساعد في تعزيز النتائج الأكاديمية ويُحسن من مهارات التفكير النقدي لدى الطلبة في المرحلة الجديدة من رحلة التعلم.
إن إعداد تقرير يُعبر عما تعلمه الطلبة يُعزّز الفهم والتعلم الفعّال، ومن وجهة نظري أُنصح المدارس بأن تُدرج هذا الأسلوب كجزء أساسي من المناهج الدراسية، مما يُعزز من تجربة التعلم للطلبة ويُعدهم لمواجهة التحديات المستقبلية بوعي وثقة.
وأخيرا، ولضمان جودة المخرجات؛ يجب أن يكون التقرير موحدا وله قواعد معينة للكتابة ويتم شرحها وتوضيحها للطلبة قبل الشروع في كتابة التقرير لضمان صحة النتائج المستخرجة منه مع الحذر من التوجيه المباشر أو غير المباشر لكتابة مخرجات او معلومات معينة، وفي حال اكتشاف ذلك يتم المحاسبة فورا لكل من شارك في هذا العبث، كما يجب ان يشارك أطباء علم النفس والسلوك وعلم الاجتماع في قراءة هذه التقارير لاستكشاف أي خلل أو ضعف لدى الطلبة.