سارا القرني
قوة الإرادة ليست مجرد كلمة تُقال في لحظات التحفيز، ولا شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل هي طاقة داخلية صامتة، تعمل في العمق، وتغيِّر مسار الإنسان دون ضجيج. هي القدرة على الوقوف من جديد، حتى حين يبدو السقوط نهائيًا، وعلى التقدّم خطوة واحدة رغم ثقل الماضي ووجع الذكريات.
كثيرون يظنون أن نسيان الماضي ضعف، والحقيقة أن تجاوزه شجاعة. فالماضي حين يُمسك بنا من الخلف، يعطِّل حركتنا، ويُبقينا أسرى لما كان، لا لما يمكن أن يكون. قوة الإرادة لا تمحو الذكريات، لكنها تُعيد ترتيبها في الذاكرة، تضعها في مكانها الصحيح، دون أن تسمح لها بقيادة الحاضر أو سرقة المستقبل.
الإنسان القوي إراديًا لا ينكر ألمه، بل يعترف به، ثم يقرِّر ألا يسمح له بأن يتحوَّل إلى هوية. يعرف أن الأحزان جزء من التجربة الإنسانية، لكنها ليست قدرًا دائمًا. يدرك أن التقدّم لا يعني أن نكون بلا جراح، بل أن نمشي رغم وجودها. ومن أعظم أشكال القوة، أن نبتعد عمَّن يستنزفون طاقتنا، لا لأننا قساة، بل لأننا تعلمنا أن الحفاظ على الذات ضرورة. فليس كل من اقترب يستحق البقاء، وليس كل من شاركنا الحزن قادرًا على مشاركتنا النهوض. أحيانًا يكون البعد هو أول خطوة حقيقية نحو التعافي.
الإرادة القوية تصنع المعجزات بصمت. لا تحتاج لتصفيق ولا لشهود. تبدأ بقرار داخلي: أن أكون أفضل مما كنت، وأن أختار نفسي، وأن أؤمن أن القادم يستحق المحاولة. المعجزات لا تهبط فجأة، بل تُبنى من تراكم الصبر، والانضباط، والإصرار. كم من شخص ظنه الآخرون انتهى، لكنه عاد أقوى، فقط لأنه قرَّر ألا يستسلم. وكم من حزن ظنناه أبديًا، ثم اكتشفنا أنه كان مرحلة عبور، لا أكثر.
في النهاية، قوة الإرادة هي أن نمنح أنفسنا فرصة جديدة، كل يوم. أن نُغلق أبواب الماضي دون كراهية، ونفتح نوافذ المستقبل بأمل. أن نمضي للأمام، لا لأن الطريق سهل، بل لأن التوقف لم يعد خيارًا.
هكذا تُصنع المعجزات..
حين نؤمن بأنفسنا، ونمضي.