مرفت بخاري
قال عباس محمود العقاد: «الكل حكيم ما دامت القصة ليست قصته»، وهي عبارة قصيرة في ألفاظها، عميقة في معناها، تختصر سلوكًا إنسانيًا بات شائعًا في مجتمعاتنا: إصدار الأحكام بسهولة، وتوزيع اللوم بسخاء، وكأننا جميعًا نمتلك الحقيقة الكاملة عن حياة الآخرين. نرى الناس يتعثرون، فنقف على الهامش نحاكمهم ببرود، نرميهم بالتقصير، ونختزل ظروفهم في كلمة: «لو أراد لفعل». ننسى أن لكل إنسان حربه الخفية، وأن ما يبدو لنا ككسل قد يكون إنهاكًا، وما نراه فشلًا قد يكون محاولة أخيرة للنجاة. الإنسان حين لا يعيش الألم يسهل عليه التنظير، وحين لا يذوق الضيق يوزّع النصائح كما توزّع المنشورات في الطرقات.
نحن لا نرى إلا النتيجة، ولا نرى الطريق المليء بالخذلان، والخوف، والضغط، والانكسار المتكرر. لا نسمع الأصوات التي تُرهق صاحبها كل ليلة، ولا نعلم كم مرة حاول أن يقف قبل أن يسقط أخيرًا أمام أعيننا.
مجتمع يرمي الناس بالحجارة لن يبني إنسانًا، بل سيكسر ما تبقى فيه من أمل.
ومجتمع يتلذذ بالتقليل من شأن الآخرين لن يرتقي، بل سيغرق أكثر في قسوة القلوب وضيق الصدور.
ليس المطلوب أن نبرر الخطأ، بل أن نفهمه. ليس المطلوب أن نصفّق للتقصير، بل أن نُدرك أسبابه قبل أن نصدر الأحكام.
لو أن كل واحدٍ منا تذكّر لحظاته الصعبة، وانكساراته التي لم يَرَها أحد، لتردّد ألف مرة قبل أن يقسو على غيره. ولو وضع نفسه مكان من يحاكمه لاكتشف أن الحكمة سهلة حين لا تكون المعاناة معاناته.
مقولة العقاد ليست جملة عابرة، بل مرآة تكشف حقيقتنا: نحن حكماء في قصص الآخرين، ضعفاء في قصصنا، متسامحون مع أنفسنا، قساة على غيرنا.
فدعونا نكفّ عن رمي الناس بالحجارة، ونتعلّم أن نمدّ أيدينا بدل أن نُشير بأصابع الاتهام، وأن نمنح الرحمة قبل الأحكام، فما من أحدٍ يعلم حقًا ما يحمله الآخر في قلبه. نحن نحبّ النتائج الواضحة: ناجح أو فاشل، قوي أو ضعيف، مجتهد أو مهمل، ونكره المناطق الرمادية التي تسكنها الحقيقة. لكن الحقيقة دائمًا أعقد من حكمٍ سريع.
كم من إنسانٍ وُصِف بالفشل وهو يخوض معركة نفسية قاسية؟ وكم من شخصٍ نُعِت بالتقصير وهو ينجو يوميًا بصعوبة من الانهيار؟ وكم من روحٍ صامتة كانت تصرخ ولا أحد يسمع؟
إن رمي الناس بالتقليل من شأنهم لا يزيد المجتمع صلاحًا، بل يزيده قسوة وجفافًا، ويُنتج أجيالًا تخاف الخطأ لا لأنها تكره التقصير، بل لأنها تخشى السخرية والفضيحة.
العجيب أننا حين نُخطئ نصبح أكثر فهمًا لأنفسنا، نبحث عن الأعذار، نُعدّد الظروف، نُبرّر التعب، ونطالب الآخرين بالرحمة، أما حين يخطئ غيرنا فنُشهر سيوف القسوة ونطالب بالكمال. وهنا تتجلى حكمة العقاد بوضوح مؤلم: الكل حكيم في قصص الآخرين، والكل ضعيف في قصته الخاصة.
لو مرّ كل واحدٍ منا بما مرّ به من يحاكمه اليوم، لربما سقط أسرع، أو انهار أبكر، أو عجز أكثر.
لسنا مطالبين بتجميل الخطأ ولا بتبرير التقصير، لكننا مطالبون على الأقل بأن نرى الإنسان قبل أن نرى خطأه، وأن نسأل قبل أن نحكم، وأن نفهم قبل أن نُدين، وأن نُقدّم الرحمة قبل القسوة.
فكثيرون لا يحتاجون محاكمة جديدة، بل يحتاجون من يقول لهم: «أراك، وأفهمك، ولست وحدك». وفي زمن باتت فيه الأحكام أسرع من التفكير، تصبح الرحمة شجاعة، والفهم وعيًا، والصمت أحيانًا أبلغ من ألف تعليق جارح.
إن مقولة العقاد ليست مجرد حكمة أدبية، بل ميزان أخلاقي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى، فالمجتمع الذي يكفّ عن رمي الناس بالحجارة هو المجتمع الذي يمنح أبناءه فرصة للنهوض بدل الانكسار، والإصلاح بدل الهروب، والإنسانية بدل القسوة.
فلنتذكّر دائمًا أن ما نراه من حياة الآخرين ليس إلا صفحة واحدة من كتاب طويل، وأن ما نُطلقه من أحكام قد يكون الحجر الذي يكسر قلبًا كان يحاول النجاة.
لسنا قساة لأننا أشرار، بل لأننا لم نعش وجع غيرنا، ولو عشنا بعض ما عاشوه لطلبنا الرحمة بدل إطلاق الأحكام.
لا أحد يسقط فجأة، فكل سقوط تسبقه ألف معركة خاضها صاحبه وحده. نحن لا نرى من حياة الآخرين إلا نهايات متعبة، ثم نتجاهل الطرق الطويلة التي أوصلتهم إليها. بعض الناس لا يحتاجون نصيحة، بل يحتاجون من يخفف عنهم ثقل الحياة. فمن لم يحمل أثقال غيره، لا يحق له أن يزن خطواتهم، والقسوة الاجتماعية لا تصنع الإصلاح، بل تصنع مزيدًا من الانكسار.
كونوا بخير.