منى السعدي
منذ القدم شكّلت الخيول مصدر إلهام للعرب حتى قيل في المأثور: «الخيول هبة الله للبشر» وقد أدرك العرب بذكائهم الفطري مكانة هذه المخلوقات الأصيلة، فكانت خير رفيق لهم في السلم والحرب وأوفى معين للفارس في المعارك، وحين استأنست الخيل في حِماهم دوّنوا بذلك أول فصول العلاقة العميقة بين الإنسان والخيل في تاريخ البشرية.
ومع طول التجربة وجد العرب في الخيل وفاءً نادرًا وذكاءً لافتًا وصبرًا عظيمًا، فلم تكن الخيول مجرد وسيلة نقل أو أداة قتال، بل شريك في المصير تقف مع صاحبها في أشد المحن ويُروى أنها تحزن لفقده، فأصبحت الخيل رمزًا للفروسية والشجاعة والشهامة وعزًا يُفاخر به من يقتنيها وذكرى تتوارثها الأجيال.
تُعد الخيول العربية من أقدم سلالات الخيول في العالم إذ نشأت في شبه الجزيرة العربية قبل آلاف السنين، وأسهمت طبيعة الصحراء القاسية في صقل صفاتها الجسدية والنفسية فغدت مثالًا نادرًا للقوة المقترنة بالرشاقة.
وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن الخيل العربية كانت الأساس الذي انحدرت منه أو تأثرت به معظم سلالات الخيل الحديثة حول العالم.
وتتميّز الخيول العربية برأس صغير ذي تقوّس خفيف وعيون واسعة براقة وفتحات أنف كبيرة تساعدها على التنفس أثناء الجهد، إضافة إلى عنق طويل مقوّس وذيل مرفوع طبيعيًا ويتراوح ارتفاعها ما بين 143 و155 سنتيمترًا ووزنها بين 360 و450 كيلوغرامًا وتمنحها هذه البنية صورة ظليّة فاتنة جعلتها أيقونة للجمال والاعتدال في عالم الخيل.
ولم يكن جمال الخيل العربية وحده سبب شهرتها بل قدرتها الفائقة على التحمّل؛ إذ أظهرت الدراسات البيطرية الحديثة أن جهازها التنفسي والدوري يتمتع بكفاءة عالية؛ ما يمكّنها من قطع المسافات الطويلة في ظروف شاقة، ولهذا السبب تتصدر الخيول العربية سباقات القدرة والتحمل عالميًا وتُعد الخيار الأول في هذا النوع من المنافسات.
وقد أسهم الدم العربي في تطوير العديد من السلالات العالمية؛ حيث استُوردت الخيول العربية إلى أوروبا منذ القرن السابع عشر لتحسين السرعة والرشاقة والتحمل وتشير المصادر التاريخية إلى أن سلالات السباق الحديثة مدينة في تطورها إلى الخيل العربية التي تركت بصمتها الواضحة في عالم تربية الخيول. ولم تكن الخيل عند العرب مجرد ملكية، بل جزء من الحياة اليومية والهوية الاجتماعية، فقد حفظوا أنسابها وأطلقوا عليها أسماء، واعتنوا بها عناية بالغة؛ حتى أن بعض الروايات تشير إلى أنهم كانوا يؤوونها في خيامهم حمايةً لها، وأسهم هذا الارتباط الوثيق في الحفاظ على نقاء السلالة العربية عبر القرون.
وعرف العرب تقسيم الخيل العربية إلى عائلات مشهورة، من أبرزها الكحيلان والصقلاوي والعبيان والدهمان والهدبان، وهي تسميات ارتبطت بصفات جسدية وجمالية معيّنة ولا تزال معتمدة في سجلات الخيل العربية حتى اليوم شاهدة على دقة العرب في التوثيق وحرصهم على الأصالة. وللخيل مكانة رفيعة في القرآن الكريم؛ حيث ورد ذكرها في مواضع عدة منها قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}، وقوله عز وجل: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ} في دلالة واضحة على مكانتها في القوة والجمال معًا.
وفي اللغة العربية، يذكر ابن منظور أن الحصان يُطلق على الفحل من الخيل ويُجمع على حُصُن، أما الفرس فهو واحد الخيل للذكر والأنثى وجمعه أفراس ومن يركبه يُسمّى فارسًا. ويذكر الكلبي في كتابه «الخيل» أن الاسم مشتق من الاختيال والخيلاء لما تتصف به الخيل من عزة وكبرياء لا تكاد تفارقها.
وهكذا تبقى الخيل العربية أكثر من مجرد مخلوق جميل، إنها ذاكرة أمة ورمز فروسية وشاهد حيّ على تاريخ من العز والشهامة، وستظل الخيل كحيلة العين في وجدان العرب لا يبهت سحرها مهما تغيّر الزمان، ولا تنطفئ مكانتها ما بقي للفروسية معنى وللأصالة عنوان.