إبراهيم بن يوسف المالك
في كل المراحل التي يعبرها الإنسان، سواء في الحياة أو العمل أو العلاقات، يظل الفارق بين «الانتماء» و»التكيّف» فارقًا جوهريًا يصنع الفرق بين حياة تُعاش بمعناها، وأخرى تُدار بدافع الضرورة. كثيرون يستطيعون التكيّف مع أماكن لا تشبههم، ومؤسسات لا تحتضن قيمهم، ودوائر لا تعكس أصواتهم. وكثيرون يجيدون أداء الأدوار، وتخفيف حضورهم، وتعديل طباعهم، فقط ليظهروا في صورة «منسجمين». لكن الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون هي أن التكيُّف المؤقت ليس انتماءً حقيقيًا، وأن القدرة على «الملاءمة» لا تعني أبدًا أن المكان مناسب لك.
الانتماء ليس مهارة اجتماعية، ولا تصرفًا مدروسًا، ولا تنازلاً محسوبًا. الانتماء حالة من الاتساق الداخلي، عندما لا تضطر للتنازل عن قيمك لتُسمع، ولا تخفيف قوتك لتُقبل، ولا تبرير وجودك لتشعر أنك تستحق البقاء. الانتماء هو تلك المساحة التي لا يتعارض فيها صوتك مع محيطك، ولا تتناقض فيها هويتك مع ما يُطلب منك أن تكونه. هو اللحظة التي تشعر فيها أن المكان يتسع لك كما أنت، لا كما يريدك الآخرون أن تكون.
الخطورة ليست في أن تقبل بمكان لا تنتمي إليه؛ الخطورة في الاعتياد عليه. في أن يتحول «التعايش» إلى نمط حياة، وأن يصبح خفض الصوت عادة، وأن يستبدل الإنسان عمقه الحقيقي بدور يتقنه لكنه لا يمثِّله. وكلما طال البقاء في مكان لا يشبهك، زاد ابتعادك عن ذاتك الحقيقية، وقلت قدرتك على التمييز بين ما تختاره، وما يُفرض عليك ببقاءٍ صامت.
البيئات المهنية ليست استثناءً من ذلك. فقد يجد الإنسان نفسه في مؤسسة لا ترى قيمته، أو فريقٍ لا يمنحه مساحة للنمو، أو ثقافةٍ تعتمد على الولاء لا على الكفاءة، أو قيادة تخشى الأصوات المختلفة وترى في التميز تهديدًا لا فرصة. في مثل هذه الأماكن، قد تنجح في «التكيف» لسنوات، وقد تظهر بمظهر المنسجم، وقد تقدم أفضل ما لديك، لكنك في العمق تعرف أن هذا ليس المكان الذي ينتمي إلى روحك أو فكرك.
وفي المقابل، هناك بيئات تكبر فيها قبل أن تتكلم، وتفهمك قبل أن تشرح، وتمنحك مساحة لتكون أنت دون أن تشعر بأن عليك الاختفاء أو المبالغة أو التجمُّل. هناك أماكن تعيدك إلى ذاتك، لا تبعدك عنها. وهذه الأماكن -مهما تأخرت- هي التي تستحق أن تبقى فيها، وأن تنمو معها.
إن الشعور بالانتماء ليس رفاهية نفسية، بل شرط أساسي للإبداع، وللقدرة على اتخاذ القرار، وللإنتاجية الحقيقية، وللنضج المهني. إنسان غير منتمٍ لا يمكنه أن يبدع، ولا يمكنه أن يقود، ولا يمكنه أن يمنح المؤسسة قيمة مضافة. ولهذا، فإن أعظم خطوة يتخذها الإنسان في مسيرته -أياً كان موقعه- هي أن يختار بيئته بدقة، وأن يراجع ملاءمتها لقيمه وأهدافه وهويته، وأن يرفض البقاء في مكان يتطلب منه أن يقلِّص نفسه ليبقى.
الفكرة ببساطة:
يمكنك أن «تتلاءم» مع أي مكان، إذا بالغت في الجهد.
لكن لا يمكنك أن «تنتمي» إلا لمكان يشبهك، ويمنحك مساحة لتكون أنت.
الانتماء ليس أن تجد مكانًا؛ الانتماء أن تجد نفسك في المكان.