د. محمد بن إبراهيم الملحم
منذ سنوات طويلة ونحن نردّد في مدارسنا وجامعاتنا مقولة تبدو براقة: «المهم الفهم لا الحفظ». تحوّلت هذه العبارة إلى شعار تربوي رائج، وكأنها حقيقة مسلَّم بها لا تقبل النقاش. وباسمها جرى التقليل من شأن الحفظ، والاختبارات التي تقيس المعرفة الأساسية، والدعوة إلى التركيز على ما يسمّى «مهارات التفكير العليا»، وهي تتمثل في: الفهم والتطبيق -التحليل والتركيب- النقد والتقويم، والتي يعبر عنها العامة عادة بتعبير واحد يشملها كلها (أو هو بوابتها) هو «الفهم»، ومع الأهمية الكبرى لمهارات التفكير العليا هذه إلا أن تعظيم أهميتها والتقليل في نفس الوقت من شأن الحفظ له مخاطره!
والسؤال العلمي الذي لا يُطرح غالبًا هو: هل هذه الثنائية بين الحفظ والفهم صحيحة أصلًا؟ كما يمكننا أن نعيد السؤال بالقول: هل يمكن فعلًا أن يوجد فهم عميق بلا معرفة محفوظة عميقة أيضا؟ أم أننا صنعنا بأيدينا صراعًا وهميًا بين عنصرين لا غنى لأحدهما عن الآخر؟
الأبحاث الحديثة في علم النفس المعرفي، ونظريات التعلم، ودراسات الخبرة البشرية، تقدّم إجابة واضحة: فالحفظ والفهم ليسا نقيضين، بل شريكان متلازمان، ومن دون رصيد معرفي محفوظ لشكل جيد، لا يمكن للتفكير العالي أن يعمل بكفاءة، فـ«لا» للفهم وحده، و«لا» للحفظ وحده.. ونحتاج أن نبحر قليلا في هذه الأطروحة لنفهم مصدر المشكلة وجوانبها فنبدأ بتصنيف بنجامين بلوم (Benjamin Bloom) الذي أطلقه عام 1965 مكونا من ستة مستويات تبدأ بالحفظ كأدنى مستوى وترقى بعد ذلك في ما يمكن أن أطلق عليها (تجاوزا) مستويات الفهم وهذا الهرم المعرفي الشهير يستشهد به أكثر التربويين ليبرّروا إهمال الحفظ، بحجة أن «التذكر» يقع في أسفل الهرم المعرفي، بينما هي قراءة مغلوطة للتصنيف (أو للهرم)، فإن بلوم لم يضع التذكر في الأسفل ليتم التقليل من شأنه (لدرجة تجاوزه أحيانا!)، بل ليؤكد أنه القاعدة التي تُبنى عليها المستويات اللاحقة، وعندما جرى تحديث التصنيف لاحقًا عام 2001 على يد أندرسون وكراثوول (Anderson الجزيرة Krathwohl)، تم التأكيد بوضوح على أن عمليات التحليل والتقويم والإبداع لا يمكن أن تحدث إلا على محتوى معرفي مخزّن مسبقًا في الذاكرة، فلا معنى لأن نتوقع من طالب تحليل قصيدة وهو لا يعرف مفرداتها معرفة عميقة، أو نتوقع منه تقويم تجربة علمية وهو لم يحفظ مفاهيم العلم الأساسية المرتبطة بها حفظا متقنا لايتوارد عليه الشك! إذن، فهرم بلوم ليس دعوة لتهميش الحفظ، بل وصفٌ علمي لترتيب عمليات العقل: لا تحليل بلا معرفة محفوظة، ولا إبداع بلا أساس محفوظ، بل يجب أن تكون هذه المحفوظات موجودة بقوة وتمكن في الذاكرة من أجل تحليلات وعمليات تفكير عليا صحيحة وجيدة.
وربما نتساءل ما الذي تقوله العلوم الحديثة عن العقل والذاكرة في هذا السياق! لنجد أن الباحث الأسترالي جون سويلر (John Sweller) قدّم في ثمانينيات القرن الماضي (1988) ما عُرف بنظرية العبء المعرفي Cognitive Load Theory، وهي تُعد اليوم من أكثر النظريات تأثيرًا في فهم عملية التعلم وعلاقتها بالحفظ والتذكر، وخلاصة النظرية بسيطة لكنها عميقة: الذاكرة العاملة لدى الإنسان محدودة جدًا، ولا تستطيع معالجة كمٍّ كبير من المعلومات الجديدة في الوقت نفسه.
أما الذاكرة طويلة المدى فهي مخزن هائل قادر على الاحتفاظ بكمية ضخمة من المعارف، وعندما يواجه الطالب درسًا جديدًا دون أن يمتلك معرفة أساسية محفوظة حفظا قويا، تُستنزف ذاكرته العاملة في محاولات فهم الأوليات، فيعجز عن التحليل والتفكير العميق، أما إذا كانت لديه قاعدة معرفية راسخة، فإن هذه المعلومات تُستدعى تلقائيًا وبسهولة من الذاكرة طويلة المدى دون أي عناء، فينخفض العبء المعرفي، ويتاح للعقل أن يفكّر بمرونة وعمق، ولهذا يؤكد سويلر عام 2011 في كتابه الشهير مع آيرز وكاليوغا (Sweller, Ayres الجزيرة Kalyuga) أن «الحفظ المنظم المتقن ليس عبئًا على التفكير، بل هو ما يحرّر التفكير» كما أن دراسات الخبرة البشرية تقدّم دليلًا عمليًا على هذه الحقيقة، ففي تسعينيات القرن الماضي (1993)، بيّن عالم النفس أندرس إريكسون (K. Anders Ericsson) أن الفارق الجوهري بين الخبير والمبتدئ لا يكمن في الذكاء العام، بل في حجم المعرفة المتخصصة المخزنة في الذاكرة طويلة المدى، ولا يختلف الأمر في الشطرنج أو الطب أو الهندسة أو البرمجة، فقد أظهرت دراسة كلاسيكية عام 1973 لكل من تشيس وسايمون (Chase الجزيرة Simon) أن لاعب الشطرنج الخبير لا يحلل كل حركة ابتداء من الصفر، بل هو يستخدم «أنماطا محفوظة» في ذاكرته وينطلق تفكيره وقراراته منها، والطبيب المتمرّس لا يفكّر في كل حالة طبية من جديد، بل يستدعي خبرات سابقة مخزنة ليقيس عليها، وبمعنى آخر: فإن التفكير التحليلي الحقيقي هو تفعيل ذكي لمعرفة محفوظة، ومن دون هذه المعرفة لا يبقى سوى محاولات سطحية متعثرة.
** **
- مدير عام تعليم سابقا