د. طلال الحربي
في مشهد يعكس عمق التحول الذي تشهده المملكة العربية السعودية، شهد حفل تخريج الدفعة الثامنة من المجندات بمعهد التدريب النسوي التابع للأمن العام خاتمةً جديدةً لفصل مشرق من فصول تمكين المرأة السعودية. تحت مظلة الرعاية والدعم غير المحدودين من القيادة الحكيمة، يأتي هذا التخريج ليس مجرد احتفاء بـ328 خريجة جديدة فحسب، بل هو تتويج لرحلة مؤسسية طموحة، وتأكيد عملي على أن المملكة تسير بثبات نحو استقطاب جميع طاقات أبنائها وبناتها لخدمة الوطن وحماية مكتسباته.
لقد تجاوزت رحلة انضمام المرأة للقطاعات العسكرية والأمنية حاجز القرار إلى حيز التنفيذ الفعلي والتميز العملي. فالدعم اللامتناهي من لدن خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، والذي تجسد في سياسات ملموسة ورؤية واضحة، مهَّد الطريق. ثم جاء التوجيه المستمر من صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية، ليرسم معالم المسار ويضمن توفر الإمكانات. وكل هذا بالمتابعة الحثيثة والتنفيذ الدقيق من معالي الفريق محمد بن عبدالله البسامي مدير الأمن العام، الذي حوّل الرؤية إلى خطط عمل، والأهداف إلى إنجازات ملموسة على الأرض.
واللافت في هذه الرحلة هو الجودة العالية للمخرجات؛ فالجنديات السعوديات اليوم لا ينلن الأوسمة فحسب، بل يكتسبن مهارات عالمية قيادية واحترافية، ترفع سقف التوقعات.
إنها مزيج نادر من المهارات الفردية المتطورة والمهارات العسكرية والأمنية عالية المستوى، ينتج عنه أداء مبهر يُحسب للمملكة وللكفاءات الوطنية التي تثبت جدارتها في كل مرة. وهذا الأداء هو الثمرة الطبيعية لمنظومة تدريبية رصينة، يشرف عليها مدربون ومدربات من أصحاب الخبرات المتراكمة في الأمن العام، والتي نرى نتائجها جلية في مستوى الخريجات المتميز.
برنامج الدورة التأهيلية للفرد الأساسي، الذي تخضع له المجندات، لم يترك جانباً إلا وأحاطه. لقد جمع بين العقل والجسد، والنظرية والتطبيق. فإلى جانب الدروس النظرية التي تبني الوعي الأمني والفكري، جاءت التدريبات والتطبيقات الميدانية لصقل المهارات تحت ظروف تحاكي الواقع الأمني بكل تفاصيله. كما أن التدريب على الأنظمة والإجراءات جعل من الخريجة عنصراً فاعلاً داخل منظومة أمنية متكاملة، تفهم دورها وترتبط بزميلاتها بسلسلة من الاحترافية والانضباط.
إن تخريج الدفعة الثامنة ليس حدثاً منعزلاً، بل هو حلقة في سلسلة متصاعدة من الإنجاز. فهو يؤكد عدة حقائق: أولاً، أن قرار إشراك المرأة في هذا القطاع الحيوي كان قراراً صائباً أثبت نجاعته وكفاءة منفذيه. ثانياً، أن البيئة التدريبية السعودية قادرة على إنتاج كفاءات وطنية تنافس بمعايير عالمية. وثالثاً، أن المرأة السعودية، عندما تُمنح الفرصة وتوضع في الإطار المؤسسي الصحيح، فإنها تتفجر طاقة وإبداعاً وولاءً يخدم الوطن.
تمثل كل خريجة من هؤلاء المجندات رسالة مفادها أن الوطن لا يفرق بين أبنائه وبناته في الحقوق والواجبات، وأن السواعد كلها تتكاتف لبناء درع أمني واقٍ. وتؤكد أن السعودية تسير بخطى واثقة نحو المستقبل، مستندة إلى رأس مالها البشري بكافة أطيافه، مدفوعة برؤية قيادة حكيمة لا تدخر جهداً في تمكين مواطنيها، لتكون المملكة نموذجاً يُحتذى في التنمية الشاملة والتمكين الحقيقي.