منصور بن صالح العُمري
ما أعظمها من لحظةٍ اختلط فيها الفقه بالرحمة،
والنظام بالإيمان،
والواجب الوظيفي بنداء القلب.
في الحرم المكي،
حيث تُرفع الأكف طلبًا للنجاة،
كان هذا المعتمر على شفا يأسٍ أعمى،
لا يرى من رحمة الله إلا بابًا موصدًا،
ولا من الدنيا إلا ثِقلاً خانقًا.
لحظةٌ لو تُركت لليأس،
لانقلبت من عبادة إلى فاجعة،
ودعاء إلى دمعةٍ لا تُجفَّف.
لكن الله ساق له عبدًا من عباده..
رجلَ أمنٍ لم يحمل سلاحه في تلك اللحظة،
بل حمل قلبه.
لم يسأله: لماذا؟
لم يوبّخه،
ولم يزده وجعًا بوعظٍ قاسٍ،
بل بادر..
أمسكه كما تُمسك الطمأنينة جسدًا أوشك أن يفلت،
فكان فعله فتوى صامتة:
أن حفظ النفس مقدَّم،
وأن الرحمة أصلٌ في هذا الدين،
وأن اليأس ليس رخصةً شرعيةً..
بل ابتلاء.
يا لها من مبادرةٍ تُعلِّم قبل أن تُنقذ:
تُعلِّم أن المنتحر آثم، نعم،
لكن اليائس أولى بالاحتواء من الإدانة،
وأن من سقط في حفرة القنوط
لا يُدفَع إليها ولا يترك لها،
بل يُنتشَل منها بيدٍ رحيمة،
وكلمةٍ صادقة،
ونظرةٍ تقول: ما زال لك مكان في رحمة الله التي وسعت كل شيء.
ذلك الرجل
لم ينقذ جسدًا فحسب،
بل ردَّ إنسانًا من حافة الهلاك
إلى سعة الأمل،
ومن ضيق الظن بالله
إلى فسحة الرجاء فيه.
سلامٌ على كل يدٍ تمتد في لحظة الخطر،
وسلامٌ على كل قلبٍ فهم
أن أعظم الشجاعة
أن تمنع موتًا،
وأن أعظم الفقه
أن تُحيي نفسًا كاد اليأس أن يقتلها.
* {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}