أحمد بن محمد الغامدي
في وطنٍ تأسس على قيم البرّ والوفاء، وفي ظل رؤية طموحة جعلت من الإنسان محور التنمية، يبرز تساؤل أخلاقي واقتصادي ملحّ: لماذا لا يزال الأب والأم خارج مظلة التأمين الطبي للموظف في كثير من منشآت القطاع الخاص؟
السؤال هنا لا يُوجَّه إلى شركات التأمين بقدر ما يُوجَّه إلى منشآت القطاع الخاص نفسها التي ليس في نظامها تأمين الأب والأم ضمن تأمين موظفيها، فالسوق التأميني السعودي اليوم يُعد من أكبر الأسواق العربية، ويضم 28 شركة تأمين وتكافل مرخّصة قادرة على تصميم منتجات مرنة ومتنوعة، الواقع يقول إن كثيرًا من شركات التأمين لا تمانع إدراج الوالدين، بل تنتظر قرار جهة العمل التي تحدد -في وثيقة التأمين- من يشمله الغطاء الصحي مع الموظف.
ما أقسى المشهد حين يقف موظف سعودي، يعمل في منشأة، أمام بوابة مستشفى، يحمل بطاقة تأمين «فارهة»، ثم يكتشف أنها لا تعني شيئًا حين يتعلّق الأمر بعلاج والده أو والدته، هنا لا تكون المشكلة مالية فقط، بل غصّة نفسية ترافقه إلى مكتبه وتنعكس على إنتاجه واستقراره.
إن رعاية كبار السن، وأكثرهم من المتقاعدين الذين خدموا هذا الوطن، ليست حملاً ترميه الشركات على عاتق الدولة وحدها، بل هي مسؤولية تشاركية وأخلاقية، هؤلاء المسنون أكثر ما «يشيلون همه» في هذا السن الحرج هو تكلفة الدواء والعمليات، فكيف نتركهم نهباً لمراجعات المستشفيات المزدحمة أو استنزاف مدخرات أبنائهم، ولدينا أكثر من 4 آلاف منشأة كبرى تقود اقتصادنا اضافة إلى 1.35 مليون منشأة في القطاع الخاص، جميعهم ممن لا تأمين للأب والأم ممن يعملون فيها يستطيعون بقرار شجاع تأمين الاستقرار والطمأنينة إلى موظفيهم.
من هنا، فإننا نهيب ونطالب منشآت القطاع الخاص، وأعني التي لم تقم بإدماج الأب والأم ضمن التأمين الصحي للموظف، بوصف ذلك خيارًا إنسانيًا وتنمويًا، لا ميزة ثانوية، كما نأمل أن يضطلع اتحاد الغرف التجارية بدور مهم في هذا الملف، وأن تعمل وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ووزارة التجارة على إلزام منشآت القطاع الخاص من تبنّي هذه الممارسة ضمن سياسات الموارد البشرية والمسؤولية الاجتماعية.
منظومة التأمين الطبي ليست مجرد عقد تجاري، بل أداة اجتماعية تعزّز الأمان والاستقرار، عليكم أن تجعلوا موظفيكم يشعرون بـ«العز» وهم يرون والديهم يتلقون الرعاية بفضل عملهم معكم.
لا تتركوا الأب والأم خارج الحسبة، فبرّ الوالدين ليس وعظًا عابرًا، بل نهج مؤسسي يُقاس به نضج الاقتصادات وإنسانية القرارات.
ختامًا.. يبقى السؤال مفتوحا، لكنه لا يحتمل التأجيل: أين الأب والأم من التأمين الطبي في بعض الشركات؟